كانت رحلة شاقة، لا ادعاء في وصفها، لإقناع العشرات بأن البوح والاعتراف جزء من تخليص الذنوب، حتى لو كان مجرد اعتراف للنفس، وبوح في إطار له هدف ودلالة.
لا نمارس فعلاً دينياً يُنسب لكنيسة أو جامع، نمارس فعلاً إنسانياً، نتعلم من تجارب من حولنا، من سبقونا إلى الهاوية، ومن نجوا منها، من استمر في القاع دون محاولة لمغادرته، ومن غادره وهو يبتسم أنه عاش فيما مات آخرون.
وهل يموت من ظل صدره يعلو ويهبط ولم يغادره الأكسجين؟ نعم، يموت ويدفن في القلوب وفي الذاكرة إذا حبس فكره في قبر تنظيم إرهابي مقيت.
كانت سلسلة صعبة، الجميع يحركه الخوف، هذا خاف من الفضح، وذاك من الوصم، وثالث يرى أن صمته سيحميه ويساعده على خلق صورة ذهنية صافية أمام مجتمعه الجديد، ورابع لديه القدرة على المواجهة، لكنه لا يضمن الصمود في الحرب.
وهكذا، لكل أسبابه في الرفض، ولكل دوافعه في الصمت، وحتى من تكلم -على مضض- تخوف من بعض النقاط التي تطرقت إليها الحوارات، لتحمل السطور التي نشرت عبر «الوطن» في سلسلة «من الشك إلى اليقين - العائدون من قبور الإخوان» سطوراً بين السطور، وحكايات وقصصاً يمكن روايتها عن دوافع الرافضين والمتحفظين من هؤلاء الذين غادروا معسكر الشر إلى معسكر الدولة، لدرجة أن شعاراً يصلح لهذه السلسلة يضمن رواجها دعائياً، يكفي أن نسميها سلسلة «الـ7 من 70»، دلالة على من وافقوا ومن رفضوا.
أصعب ما قيل في الرفض هو: لماذا نتذكر الآن؟ كانت الإجابة مستفيضة: لم ننسَ من الأساس حتى يذكرنا حوار أو يوميات أو أحداث، لم ننسَ الخوف الذي امتلك القلوب وسيطر على الجوارح، لا يغادر المرء لحظات رعبه أبداً، تظل قابعة في قلبه، وكلما شعر بقلق طمأن نفسه بها، لن تكون أصعب مما كان، وكل ما يشعر به المرء أمام ما مر به بالفعل مجرد فتات، لا رعب يوازي ما أحدثه الإخوان في قلوب المصريين، ولا خوف سيتكرر في حياتنا مثله، ليس لأنهم حملوا السلاح، ولا لأنهم هددوا الآمنين، ولا لأنهم دمروا مفهوم الدولة، كل هذا يدرك، لكن لأنهم فرقوا المصريين، ومزقوا الجسد الواحد، ليس مسلمين ومسيحيين فحسب، بل مسلمين على مزاجهم، ومسلمين ليسوا على ملتهم، خلقوا في ديننا مللاً وشعباً وقبائل، ولم يكملوا قوله تعالى: «لتعارفوا»، وسَّعوا الهوة، وأجادوا التصويب، وأصابت رصاصتهم الهدف، شككونا في إسلامنا وديننا، وما رسخه في قلوبنا من مبادئ.
وأقسى ما قيل تحت بند الخوف هو: «كل ما افتكر نفسي معاهم أكره روحي».
لا يخشى هذا سوى أن يجدد الحكي اكتئابه، لا يصدق أن يديه حملتا السلاح، هو من كان يخاف من عود الكبريت، فأشعل النيران وهدد آخرين، وقف بالشوم يقابل كل من يعترضه، سلم نفسه وأذنه لمن ملأها، أوقف عقله وتنازل عن آدميته من أجلهم، فعل كل هذا حتى تحول الأمر إلى عقدة مخيفة، خضع لعلاج نفسي بسببها لسنوات، قبل أن يتماسك ويقرر أن يبدأ من جديد، وكلما نبش أحدهم في الماضي هرب منه بالمشوار.
لم يكن وحده من أوقفه الخوف عن الحكي، هي أيضاً خافت، خافت على حاضرها ومستقبلها من ماضيها، لا لشيء سوى أن ابنها يحمل لقب أحدهم.
صحيح أنها خرجت من القبر هاربة، تحارب كل ما ومن ينتمي إليهم، لكنّ شيئاً ما لا يزال يربطها بذكراهم، اسم الابن ولقبه، عائلته التي نصفها موصوم، ونصفها الآخر يدفع ثمن فعله، الحياة التي يحركها الخوف في كل لحظة، وبدلاً من أن يكون الخوف من الضبط والإحضار، أصبح مجرد ذكريات.
أما أجمل ما قيل في القبول، فكان جرأة أحدهم على الحكي، قال: سأروي شهادتي لأكفر بها عن سيئاتي، وأحمي القادم مثلما دمرت الماضي.
كانت الجملة موجعة، خاصة بعد ما لاقاه من تعدٍّ وهجوم وتهديد وطعن عقب نشر الاعترافات، انهالت عليه سهامهم، وصار صيداً سهلاً، نال منهم أكثر مما لقيه في أعقاب مغادرته صفوفهم، أصبح هدفاً للجان تعمل بالكامل من الخارج، تلاحقه في الشاردة والواردة، وتغلق عليه سبل التنفس، حدث هذا معه وقد صمت عن أشياء، فما بالهم إذا ما نشر كل ما سكت عنه.
والخلاصة: لم تنتهِ حكاياتهم بعد، ولا يزال في القائمة عشرات ومئات، كانوا وقود مظاهرات تنظيم بغى واستفحل، ونشر فساده وإرهابه، قبل أن يفيق القطيع من السبات العميق، بعضهم استيقظ حينما أعمل عقله وقارن الجماعة بالتنظيم، واكتشف أن ما قالوه عكس ما فعلوه، وأكثرهم رأى حين دفع الثمن غالياً في السجن، فكانت العودة، وكان الناجون.
وعليه، ما زالت الفرصة قائمة، لمن يود الفهم، يقرأ اعترافات العائدين بعمق، ويحلل ما بين السطور، لا محالة سيغادر موقعه معهم إذا كان ممن «أتى الله بقلب سليم»، أما إذا استمر بعدها، فإنه «لا يلومن إلا نفسه».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك