دمشق- “القدس العربي”: أعلن شيخ العقل في طائفة الموحدين الدروز في سوريا حكمت الهجري أن المشروع الذي يعملون عليه في السويداء يهدف في النهاية إلى إقامة دولة مستقلة، متخذاً موقفاً متشدداً إزاء أي مفاوضات مع دمشق حول مستقبل المنطقة، ومؤكدا ذات الوقت أنه لن ينسى فضل من وقف مع السويداء، وخصوصا إسرائيل، خلال الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة في تموز/ يوليو العام الماضي.
وأحيت السويداء الذكرى السنوية الأولى للمواجهات التي شهدتها المحافظة وراح ضحيتها 1760 شخصاً من جميع الأطراف.
وخلال حفل استقبل فيه مؤيديه من فصائل مسلحة منضوية تحت قيادة “الحرس الوطني”، عبر الهجري الذي بات يلقبه أنصاره بـ”القائد”، عن عدم إمكانية التعامل مع الحكومة السورية الحالية، من دون تسميتها بشكل مباشر، مشيرا إلى أنه مستعد للتعاون في المقابل مع العالم الحر المنفتح والإنساني، وقال: “نحن لسنا متطرفين ولا نتدخل بدين أحد، ومع العلاقة الإنسانية ضمن الأصول الدولية”.
وأضاف: “إن حرب الإبادة التي تعرضنا لها في تموز الأسود، كشفت من هو العدو ومن الصديق، وخسرنا خلال تلك الحرب آلاف الشهداء في “هولوكوست درزي”، وكان عزاؤنا في وقوف كل دروز العالم معنا”.
وتابع: “متفانون في خدمة المصلحة العامة وسنبقى، ولكن مع من يتشابه معنا في الفكر الإنساني الحضاري المنفتح، ومصرون على خصوصيتنا في باشان (السويداء) لنستطيع أن نعيش فيها حياة مستقرة، ولنقدم للعالم نموذجا، قد تكون دولة، وقد تكون إقليما، أو تحت رعاية دولة أخرى، وقد تكون اندماجا مع دولة أخرى، وهذا أمر نتركه للعالم، ولكن نحن نريد الاستقلال”، مؤكدا أن “ما نسير نحوه سنصل إليه وسط آمال لتسريع الخطوات لإنجاز ذلك”.
وقال: “بعد كل الذي مررنا به فإن هدفنا الأخير هو الاستقلال، ولكننا نعمل تحت المظلة الدولية”، مؤكدا أن “من وقف معنا لن ننسى فضله علينا وخصوصا دولة إسرائيل”، مشيرا إلى “أننا نتبادل الاحترام مع من يحترمنا، ونبني على حائطه وامينين معه”.
وبعد أن امتدح ما وصفه بتضحيات شباب السويداء لما قدموه لباشان ولأهلها “ومن بينهم الأخوة المسيحيون الذين نتقاسم معهم الذكرى المؤلمة اليوم”، أكد أن السويداء “ستبقى ملتزمة بخندقها والدفاع عن كرامتها وسلاحها بيدها والطلقة في بيت النار”، مشيرا إلى أن “الطلقة الأولى لن تكون منا ولا نتعدى، ولكن إن تعرضنا للاعتداء سنقدم أرواحنا فداء” للسويداء.
وقال إن القرى الدرزية التي تقع حاليا تحت سيطرة الحكومة السورية من محافظة السويداء، ستعود إلى أهلها، “خسرنا القرى ليس لأن أهلها خرجت منها وإنما لأننا تعرضنا للخيانة”.
وأردف الهجري “السويداء الآن في طور بناء المؤسسات والأهم منها قبل كل شيء هي مؤسسة الجيش”، مطالبا بضرورة “الالتزام بروحية المؤسسة وقانونيتها واجتثاث أي خطأ يقع، ولن تكون هناك مسايرة لمن يخطئ، كما حصل الفترة الماضية فدفعنا ثمنها الدم وربما أكثر”.
وطالب الهجري بضرورة الانضباط تجاه المؤسسة وقانونيتها إن كانت أمنية أو خدمية، وقال: “نتقدم اليوم باتجاه مرحلة أكثر تنظيما على سكة صحيحة وليس بشكل عشوائي كما كان حال سابقا”، مطالبا “بألا ينخدع الناس بالمعادلات الدولية التي تتحكم بالبلاد حاليا، لأن الدول تعرف مصالحها والسويداء أيضا مصلحتها من مصالح تلك الشعوب والدول”.
واظهر الهجري تشددا فيما يتعلق بالمفاوضات حول مستقبل السويداء ضمن الدولة السورية، وقال “من لا يقبلنا لا داعي أن نجلس معه، ونوايانا معلنة ويليق بنا أن تكون لنا دولة كبرى تتسم بالحضارة والعلم والإنسانية والأدب والأخلاق”كواليوم الاثنين، بدأت محاكمة 23 متهما من المتورطين في أحداث السويداء أمام القضاء العسكري، وذلك بناء على النتائج التي كانت قد توصلت إليها “اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء”، التي أعلنت في آذار/ مارس الماضي في تقرير لها، أن تلك الأحداث أودت بحياة نحو 1760 شخصاً من جميع الأطراف، إلى جانب 60 مفقوداً من عشائر السويداء و30 من وزارة الدفاع، مع تأكيدها عدم التوصل إلى حصيلة نهائية للمفقودين بسبب نقص المعلومات وصعوبة الوصول إلى مدينة السويداء خلال التحقيق.
وبداية الشهر الجاري، أعلن رئيس لجنة التحقيق في أحداث السويداء، حاتم النعسان، بدء محكمة الجنايات العسكرية في دمشق النظر علناً في قضايا متهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث تموز/ يوليو 2025، مؤكداً أن المساءلة ستشمل جميع المتورطين من دون استثناء.
وأوضح أن النيابة العامة العسكرية أحالت عدداً من الأشخاص والقضايا إلى القضاء، استناداً إلى نتائج اللجنة المشكلة بقرار من وزير العدل، وأن المحاكمات انطلقت في 1 تموز/ يوليو بحضور المتهمين ووكلائهم ووفق ضمانات المحاكمة العادلة.
وكان تقرير “اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء” قد ذكر أنه إضافة إلى الضحايا الذين وصل عددهم إلى 1760 من جميع الأطراف، وصل عدد المصابين إلى 2188، وأوضح أن الخلافات بين البدو والدروز في السويداء تعود إلى سنوات، وأسهمت سياسات نظام الأسد في تأجيجها، بما في ذلك تسهيل دخول عناصر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وارتكابهم انتهاكات بحق أبناء الطائفة.
وأضاف التقرير أن الفترة بين 11 و20 تموز/ يوليو 2025 شهدت تصاعداً في أعمال العنف بين البدو والدروز، شملت مصادرة ممتلكات وعمليات خطف متبادلة وانتهاكات من مختلف الأطراف، وقوبل التدخل الحكومي لفرض الأمن، بمواجهات وكمائن، تزامناً مع قصف إسرائيلي استهدف القوات الحكومية وقيادة الأركان في دمشق، ما أدى إلى تفاقم الفوضى وتصاعد أعمال الانتقام.
وخلصت اللجنة إلى أن أحداث السويداء شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت القتل القصد، والسلب المسلح، وتخريب وإحراق الممتلكات، والتعذيب، وإثارة النزعات الطائفية، بما يخالف القوانين السورية ذات الصلة، لافتة أنها توصلت إلى قائمة بمشتبه بهم تضم عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية، إلى جانب أفراد من الجماعات المسلحة الدرزية ومدنيين، بمن فيهم من البدو والعشائر، ممن توفرت أسباب معقولة للاشتباه بتورطهم في انتهاكات جسيمة.
ووفقاً للتقرير، فإن أحداث تموز/ يوليو اندلعت نتيجة توترات طائفية “تحولت إلى ثلاث موجات مدمرة من العنف، استهدفت اثنتان منها المدنيين الدروز، والثالثة المدنيين البدو”، وشملت الانتهاكات في الموجة الأولى “القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والنهب كما تم فصل الرجال المعترف بهم كدروز عن النساء والأطفال وإعدامهم، بينما أطلق النار على آخرين في الشوارع أو قتلوا داخل منازلهم مع أسرهم”وأوضح التقرير أن الموجة الثانية “بدأت في 17 تموز/ يوليو، بعد انسحاب القوات الحكومية وغارات جوية إسرائيلية على محافظتي السويداء ودمشق طالت محيط القصر الجمهوري ومبنى الأركان في ساحة الأمويين، حيث “هاجمت الجماعات المسلحة الدرزية المدنيين البدو وارتكبت انتهاكات جسيمة شملت القتل والتعذيب والاحتجاز القسري والتشريد والنهب، ما أدى عملياً إلى تهجير معظم مجتمع البدو من المناطق الخاضعة لسيطرة هذه الجماعات”.
أما الموجة الثالثة، بحسب اللجنة، فقد “نفذها مقاتلون عشائريون بين أواخر 17 و19 تموز/ يوليو، واستهدفت المدنيين الدروز انتقامياً، مع إحراق ونهب نحو 35 قرية ذات أغلبية درزية أو مختلطة، وقتل أو اختطاف عدد من المدنيين”.
وبين التقرير أن “النزاع أجبر ما يقارب 200 ألف شخص على النزوح من منازلهم، معظمهم من القرى الدرزية، وما يزال حوالي 155 ألف نازح غير قادرين على العودة، بينما نزح جميع سكان المجتمع البدوي تقريباً ويعيش العديد منهم في ملاجئ مؤقتة وغير لائقة منذ عدة أشهر”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك