العربية نت - حَكَمة تكشف حقيقة "فار"جنتين العربية نت - فيديو.. ولي عهد النرويج يقود "تجديف" اللاعبين أمام القصر الملكي وكالة شينخوا الصينية - الحكومة المصرية تؤكد أن مصنع "إيليت سولار" نموذج رائد للاستثمارات الصناعية المتقدمة العربية نت - "كاحل" مبابي يغيبه عن جزء من تدريبات فرنسا قبل قمة إسبانيا الجزيرة نت - الستة الأكثر حظا للفوز بترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة عام 2028 وكالة شينخوا الصينية - الصين وروسيا تختتمان مناورات بحرية مشتركة العربي الجديد - العودة إلى قانا... لبنانيون يتحدون الخوف والدمار بالبقاء والترميم العربي الجديد - تونسيون يعانون من العطش على تخوم السدود قناة العالم الإيرانية - روسيا تتوعد أوكرانيا بضربات أقوى وتحذر من تحالف باريس قناة التليفزيون العربي - حكم غيابي في السودان بإعدام قائد قوات الدعم السريع و15 آخرين في واقعة مقتل والي غرب دارفور
عامة

التأريخ بالهجرة… من التقويم إلى المصير

القدس العربي
القدس العربي منذ 4 ساعات
3

أنا كاتبة من فلسطين وأعيش وأعمل باللغتين العربية والإنكليزية في المهجر في أمريكا. هذا الشّهر «محرم» هو بداية العام الهجري الجديد 1448 ما جعلني أفكر بحقيقة أن العرب المسلمين من بين شعوب العالم التي تؤر...

أنا كاتبة من فلسطين وأعيش وأعمل باللغتين العربية والإنكليزية في المهجر في أمريكا.

هذا الشّهر «محرم» هو بداية العام الهجري الجديد 1448 ما جعلني أفكر بحقيقة أن العرب المسلمين من بين شعوب العالم التي تؤرخ لأنفسها بالميلاد، وبحركة الشمس ومواسم الزراعة والأعياد، وغير ذلك، نؤرخ لأنفسنا بالهجرة.

ونحن شعوب لا تنفك تهاجر.

في عام 1948، نحن الفلسطينيين، هاجرنا، ومحاولات تهجيرنا لم تتوقف لحظة.

هذا يعني أننا في عام 78 هجري فلسطيني.

وللهجرة كما لجميع الأشياء زوايا نظر عديدة.

الترحال للقبائل العربية القديمة ضارب في التاريخ كجذر عميق، والروح العربية الأصيلة جريئة وحرّة ومغامِرة كالسندباد بسبب اعتيادها التنقل، ومواجهة المجهول في كل خطوة جديدة، لولا رحلات ابن بطوطة وغيره من طالبي المعرفة ما وصلوا إلى مراحل إدراكية مدهشة.

في الترحال قال الروائي الألماني هيرمان هيسه، إن الإنسان الذي يتنقّل هو في رحلة روحية تصله بالطبيعة وطبيعة نفسه، وهو في حركته هذه يثور على الأنماط الجامدة التي تقيّده.

أما «القديس الروماني – الجزائري اوغستين فقد رأى أن الهجرات هي رحلات تعكس بحث الروح الإنسانية عن الله.

لكن هجرات العرب، خصوصاً في العصر الحديث، معظمها قسري بسبب الحروب والنكبات والمنافي والغربة بأطيافها.

غزة حاضرة ولبنان وسوريا والعراق والسودان واليمن وليبيا والمغرب العربي وغيرها.

كذلك إحساس الإنسان العربي بالغربة في وطنه قد يدفعه لاختيار غربة أقل حدّة إن استطاع إلى هذه الغربة الأخرى سبيلاً.

الإحصائيات توضح أن نصف شباب العرب في مشرقه ومغربه يرغبون بالهجرة لو أُتيحَت لهم الفرصة.

بما أني أعيش في المهجر، أرى الهجرة وما تفعله بالإنسان، وما يفعل فيها، بطريقة واقعية.

فمثلاً علاقتي باللغة العربية وبالحضارة العربية ازدادت وتطورت، وصارت أكثر حرية وقدرة على النمو على بُعد المحيط الأطلسي عن مدينة القدس، التي هي مسقط رأسي.

وفي الغربة صرت أرى الحضارة العربية من منظور الصورة الكبيرة، عوضاً عن الصورة الصغيرة التي يعيش فيها من لا يسافر خارج عالمه ليراه من زوايا كثيرة، ويعيد فهمه لوطنه ونفسه مراراً.

عبر التنقل، أدركتُ أن الإنسان لا يترك خلفه أي شيء يحبه بل يحمله معه.

كل ما في الأمر أن التجربة تتسع وتختلف فيزداد حجم وطن التجربة التي يحملها المهاجر.

وقد يكون أن حدود وطن الإنسان هي مجموعة تجاربه.

تجربة الهجرة في عالمي لها طبقات مثلما هي طبقات اللغة العربية، التي يمكن اعتبار البحث في درجات معانيها رحلات نحو العمق والأفق.

اللغة العربية هي لغة بمناخات يمكن التنقل في ما بينها والتوطن في تضاريسها المتنوعة، كما في رحلة الشتاء والصيف، أو رحلات الأمان والخوف، أو الانتقال من السطح إلى الجوف.

وإن بدت كالصحراء في زمن الحروب وما تقود إليه من قحل حضاري والهجرة عنها إلى لغات أخرى، تظل كالصحراء في أعماقها عالم من النفط والغاز والمعاني النفيسة والمدن التاريخية المغمورة تحت رملها.

في تأملي للهجرة عبر العيش فيها، أعرف أن قاموسها هو الطريق، ووريدها النابض وصديقها اللدود هو السّفر، لأنه يُسفر عنوة عن حقيقتنا أمام أنفسنا.

ويزيل السّفر عنا الأقنعة وكل ما اعتدنا عليه من لبس، لنرى أنفسنا ومواطن قوتنا وضعفنا وتاريخنا واحتمالات آمالنا بشكل سافر.

كذلك القراءة في كتاب، هي هجرة تأخذنا من مكان إلى آخر، وقد توضح لنا ما كان ملتبساً علينا، لهذا قالت العرب عن الكتاب أنه سِفر.

ومن يقرأ حقيقة لا يمكنه العودة الى ما كان عليه قبل القراءة.

مع الوقت صادقتُ الحقيقة في أن الحياة هجرةٌ بلا توقف: الماء يهاجر من البحر إلى الغيم الذي يهاجر بدوره إلى أرجاء الأرض، ونحن من ماءٍ مُهاجر.

والقمر يهاجر.

والطيور والفراشات والعطور والحضارات تهاجر.

هذا عالمٌ هِجري مُطلَـق.

والفكر الحي والوعي يهاجر ليفهم أكثر، وحياة الإنسان نفسها هجرة من يوم إلى يوم آخر.

من طفولته يهاجر الإنسان للشباب، ومن الشباب للكهولة، ومن الحياة يهاجر للموت، وكل مراحل العمر هي هجرات لا عودة فيها.

قال الشاعر العربي أبو العتاهية في العصر العباسي: ألا ليت الشباب يعود يوماً.

وقد يقول قائلٌ: ألا ليت الطفولة تعود يوماً، أو ألا ليت العصر العباسي مثلاً يعود يوماً، أو أي لحظة فاتت تعود.

لكنها لا تعود، ومن لا يقبل في نفسه أنه يتغير، وفي الآخرين أنهم يتغيرون، ستوقظه حقيقة الهجرة ماثلة أمامه وفي نفسه.

القرآن الكريم كما أفهمه هو دعوة لهجرة من الجهل إلى العلم.

من الخوف إلى الأمن.

من الضيق إلى الوسع.

من القراءات الصغيرة للقراءات الكبيرة.

من الظلمات إلى النور.

من الأسئلة إلى الإجابات.

من نفوس لا تريد التغير إلى نفوس تغير ما في نفسها بلا توقف، كلما ازداد وعيها.

نهاجر من أفراد كنّاهم إلى أفراد سنكونهم.

وهكذا من التيه إلى الطمأنينة عبر العلم، الذي لا يمكن إنجازه من غير هجرة ما بين مكانين أو وعيين.

إنه دعوة للهجرة بحذافيرها.

من المدهش أن والدنا آدم قصته ما هي إلاّ قصة هجرة.

وقد ورثنا عنه الهجرات.

الإسلام هو دين الرحمة وكذلك دين الهجرة، لأنه يطلب من الوعي التغير المتواصل.

والمهاجرون، خصوصاً بين الأسئلة العميقة ورحلات الإجابة عنها، لديهم الجرأة في ترك الشاطئ والإبحار.

هنالك مثل أمريكي يقول: الوعي الذي أنتج المشكلة لا يمكن أن يكون هو الوعي نفسه الذي ينتج الحل لها.

وفي الهجرة إنتاج لوعي جديد.

بينما أكتب هذا المقال، رأيت صوراً لعائلات غزية ولبنانية نازحة.

قلت في نفسي: من ينزح قسراً لعامٍ أو أعوامٍ ينقسم تاريخه إلى شقين كما يُكسَرُ الصخر، لكن المنازل والمدن تُبني من كسور الصخور والأعداد الصحيحة هي مجموعة من الكسور المجموعة، وفي مكان الأغصان التي تكسرها العواصف تنبت أغصان أقوى، وندبات الجراح فيها طبقات أكثر متانة من الأماكن التي لم تعرف الجراح.

لهذا أرى اليوم في بداية عام 1448 هجري، أنه من المناسب والحقيقي والملهم أن نؤرخ نحن العرب المسلمون لأنفسنا بالهجرة والحركة والسفر والرحلات والتغيير المتواصل في الوعي والتجربة.

يلهمني أن الماء المتحرك مهاجر دوماً يظل حيّاً بهجراته والماء الراكد يصير آسنا ويموت.

كل عام وأنتم بخير وفير، وانتقال من مكان تحبونه إلى مكان تحبونه أكثر، في أنفسكم وفي وعيكم، وفي الكون.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك