ونحن في همة العمل الهادف أيام الصبا في العراق، ونحن في همة العمل الواضح، وضوح الشمس نهارا، والملون بنور القمر ليلا.
كنا في صبانا في خمسينات القرن الماضي، نسمع صوتاً يتردد عبر موجات الأثير “جميلة” ولم نكن نعرف أن نلفظ اللقب باللهجة الجزائرية “بو حيرد”.
!وحين تعلمنا دروس الأسماء صار، الاسم الكامل لجميلة، مفردة موسيقية في سمفونية الجزائر “جميلة بو حيرد” المناضلة، رمز الأنثى الصحيح، المرأة التي أربكت نظما، وليس نظاما واحداً، حين كانت الجزائر هدفا لكل المستعمرين.
كنا نبحث عن صورتها.
أن نرى سحنتها ونحن نسمع صوتها أغنية جزائرية وإنسانية عذبة.
العراقيون “يوم كانوا شرفاء ونبلاء حقاً، والسفالة والانحطاط استثناءً نادراً وليس ظاهرة مقيتة”، ويوم بزغ من بيننا قمر سمعنا صوته وشاهدنا سحنته النبوية، وغمرتنا ابتسامته الصادقة “عبد الكريم قاسم”.
وكان وهو في انشغاله بمتاعب الثورة وإنشاء البيوت التي تليق بالإنسان، لعراقي الأكواخ والصرائف في المياه الآسنة، فأخرجهم من الصعوبة إلى السهولة في العيش الرغيد.
أخرجهم في مياه البحيرات الراكدة التي تشغل سماءها الحشرات ويزدحم في جوفها فحيح الأفاعي.
أخرج سكان المياه الآسنة في مواكب من المشاحيف والزوارق، برحلات في عوالم الفراتين والشاطئ مع إطلالة السحر، أو تحت ضوء القمر.
في تلك الفترة كانت الثورة الجزائرية العظيمة تهز عروش الملوك والمستعمرين، ثورة المليون شهيد.
وأكثر، ورموزها عبد القادر الجزائري، وبو مدين، وبلقاسم، وعبد الحميد المهري، وأحمد الإبراهيمي، وجميلة بوعزة، وياسيف السعدي.
أعداد من الصعب عدهم، من مناضلي جبهة التحرير الجزائرية، والقمر الزاهي “جميلة بوحيرد” وكل ثوار الجزائر، فكيف لمواطن عراقي أن يرى جميلة، ويشم رائحة المسك والعنبر ومن خلالها عرفنا الجزائر، ومن خلال الجزائر عرفنا جميلة.
!عندما حل الطاعون في بلدنا “العراق” في السابع عشر من تموز 1968 وجاء النازيون الجدد، ليهيمنوا على مقدرات الوطن العراقي وتأريخه، كانوا يريدون شراء ذمم الشعوب، وكان “المزاد العلني سهلا” فسقط العشرات من العرب ثم المئات ثم الآلاف ثم الملايين من أبناء هذه الأمة المتخاذلة، وتساقط العراقيون أفوجا، حتى بلغ الأمر لليساري الماركسي اللينيني “لطفي الخولي – أمين عام الحزب الشيوعي المصري” ليقبل دعوة النظام الفاشي المغرية وهي دعوة ترفرف أجنحتها عملة أمريكية خضراء، ليعود فيكتب عن النموذج الأوضح للفاشية دراسة بعنوان “هكذا تكلم صدام حسين” والدراسة التي نشرتها صحيفة النهار اللبنانية، تحاكي المجلد الذي كتبه المفكر والفيلسوف الألماني “نيتشه” بعنوان “هكذا تكلم زرادشت” فالخولي هنا يتمثل بـ “نيتشه” والمكتوب عنه يمثله بـ “زرادشت” وشتان بين الكاتبين والمكتوب عنهما.
وصارت جيوش الانتهازيين والباحثين عن عطور النفط والكازولين تتوافد على بغداد، ويعودون بحقائب “سمسونايت” مليئة بالأوراق الخضر والساعات الذهبية وفي داخلها صورة المسخ الفاشي وكوبونات النفط، حين أصبح النفط يسري بحقائب السمسونايت، لا بالأنابيب.
وكانت عيون ذلك القاتل المدعو “صدام” ترنو نحو الجزائر، ورمز الجزائر “جميلة بو حيرد” كان يطمح أن يلتقيها عسى أن تضفي من وطنتيها وطنية على نظامه الفاشي.
فأرسل لها سفيره في الجزائر ليوجه لها دعوة، وأملى عليها ما بين السطور كل الإغراءات المادية والعينية، ومنها بناء قصر لها في الجزائر، فرفضت الدعوة والقصر بكرامة الجزائرية وبكرامة الوطنية والعزة والنضال.
ومررت بلياقة واضحة رسالة، أنها تحب الزعيم العراقي الوطني “عبد الكريم قاسم” الذي دعم الجزائر وثورتها بالفعل لا بالقول، “عبد الكريم قاسم” الذي قتله الفاشيون وهي إشارة لصاحب الدعوة ونظامه القاتل! الذي حاول اغتيال نبي العراق الوطني عبد الكريم قاسم عام 1959 ثم اغتالوه ومعه كل رفاقه في يوم الثامن من شهر فبراير 1963.
فمن هي “جميلة بوحيرد” وهي التي وصفت بأيقونة الجزائر؟ !ولدت “جميلة” في حي القصبة بالعاصمة الجزائرية في يونيو 1935، وهي الأنثى الوحيدة بين سبعة ذكور.
أكملت دراستها في الجزائر وكانت فارسة شجاعة، عربية أصيلة حين عرفت اعتلاء الخيول.
وعندما اندلعت الثورة الجزائرية عام 1954 انضمت إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية للنضال ضد الاحتلال الفرنسي.
كانت في العشرين من عمرها، فالتحقت بصفوف الفدائيين، وكانت أول المتطوعات مع المناضلة “جميلة بو عزه” التي كانت تزرع القنابل في طريق المستعمرين الفرنسيين.
ونظرا لبطولاتها أصبحت “جميلة” المطلوبة الأولى وقد أصبحت حلقة الوصل بين قائد الجبل في جبهة التحرير الجزائرية ومندوب القيادة في المدينة “ياسيف السعدي” التي كانت المنشورات الفرنسية ترمى من الطائرة كالمطر على المدن الجزائرية، تعلن عن دفع مائة الف فرنك فرنسي ثمنا لرأسه.
وحتى تم القاء القبض على “جميلة بوحيرد” عام 1957 بعد أن استهدفت وأصيبت برصاصة بكتفها، وسقطت على الأرض تنزف دماً، وهنا بدأت رحلتها القاسية من التعذيب، وأغمي عليها، وحين صحت، قالت كلماتها الشهيرة ” أعرف أنكم سوف تحكمون علي بالإعدام، لكن لا تنسوا أنكم بقتلي، تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم، ولكنكم لم تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة”تزوجت “جميلة بوحيرد” من المحامي الفيتنامي “جاك فيرجيس الذي كرس حياته للدفاع عن مناضلي جبهة التحرير الوطني الجزائرية، ودافع بالذات عن “جميلة بوحيرد” وأعلن إسلامه، فأبدل اسمه من “جاك الفيتنامي” وصار يحمل اسم “منصور الجزائري”.
في مهرجان “أسوان” لأفلام المرأة في دورته الثانية عام 2018، وكنت أحد المشاركين في المهرجان، دعيت “جميلة” إلى المهرجان الجميل ليشكل حضورها العينة الصافية للمرأة العربية، التقيتها أثناء التكريم وهي متألقة في تواضعها.
وهي “جميلة.
و.
بوحيرد” الأيقونة الجزائرية التي أحبت “عبد الكريم قاسم” وكرهت الفاشية أينما حلت وفي أي زمان ومكان.
!قاسم حول - سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك