لندن- «القدس العربي»: رأى إسفنديار باطمانقليج رئيس مؤسسة «بورص وبازار» المتخصصة في قضايا الاقتصاد والسياسات المتعلقة بإيران والمنطقة، والمدير التنفيذي للأبحاث والبرامج في المؤسسة مهران هاغيريان، في مقال نشر على موقع «إنتغريتد فيوتشر انشياتيف» أن المقترح الإيراني بفرض ما بات يعرف بـ«رسوم هرمز» لا ينبغي النظر إليه بوصفه محاولة لفرض أعباء مالية جديدة على حركة الملاحة، بل باعتباره فرصة لإنشاء إطار مؤسسي للتعاون الإقليمي يمكن أن يسهم في تثبيت الاستقرار ومنع تكرار الأزمات في مضيق هرمز.
وقال الكاتبان إن استئناف إيران استهداف السفن التجارية العابرة للمضيق، بما في ذلك السفن التي تستخدم ممراً جنوبياً أنشأته سلطنة عُمان بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية وبدعم أمريكي، أدى إلى إضعاف مذكرة التفاهم الموقعة بين طهران وواشنطن في 18 حزيران/يونيو، إذ ترى القيادة الإيرانية أن الإدارة الأمريكية تحاول تقليص نفوذها التفاوضي عبر تسهيل عبور السفن من دون التنسيق مع إيران.
وأضافا أن طهران تفسر مذكرة التفاهم على أنها تمنحها مسؤولية إعادة تنظيم الملاحة في المضيق خلال المرحلة الانتقالية، لكنها في الوقت نفسه تلزمها بإجراء حوار مع سلطنة عُمان والدول الخليجية السبع المطلة على الخليج لوضع آلية مشتركة لإدارة المضيق والخدمات البحرية فيه على المدى الطويل.
وأوضح الكاتبان أن المشاورات الإيرانية العُمانية لم تتوصل حتى الآن إلى تصور نهائي، في ظل اختلاف واضح بين موقفَي البلدين.
فبينما تؤكد مسقط أنها لا تؤيد فرض رسوم على حق المرور نفسه باعتباره مكفولاً بموجب القانون الدولي، تصر إيران على أن المضيق يقع ضمن المياه الإقليمية الإيرانية والعُمانية، ما يمنح الدولتين دوراً أساسياً في تنظيم الملاحة.
واعتبرا أن الدور العُماني كثيراً ما يُساء فهمه، مشيرين إلى التهديدات التي سبق وطالت مسقط من قبل الرئيس الأمريكي ووزير خزانته، مؤكدين أن السلطنة لا تتحرك دفاعاً عن المصالح الإيرانية بقدر ما تسعى إلى منع تحول الأزمة البحرية إلى مواجهة إقليمية أوسع، لأن اقتصادها ومكانتها الدبلوماسية واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي ترتبط جميعها باستمرار حركة الملاحة بصورة طبيعية.
ورأى الكاتبان أن المخرج الممكن يتمثل في عدم فرض رسوم على مجرد عبور السفن، وإنما على خدمات بحرية مرتبطة بالسلامة الملاحية وحماية البيئة، على غرار النماذج المطبقة في مضيق ملقا أو بعض الرسوم المفروضة على السفن المارة عبر المضائق التركية، بحيث تكون الرسوم مقابلاً لخدمات فعلية وليس انتهاكاً لحرية الملاحة.
وأشارا إلى أن نجاح أي نموذج جديد يتوقف على كونه مقبولاً سياسياً ومجدياً اقتصادياً وقابلاً للتطبيق فنياً، مؤكدين أن القيمة الحقيقية لما يسمى «رسوم هرمز» لا تكمن في الإيرادات المالية، بل في تحويل إدارة المضيق إلى منصة للتعاون الإقليمي وتعزيز وقف إطلاق النار والدبلوماسية بين دول الخليج.
وفي الجانب العملي، رأى الكاتبان أن فرض الرسوم على جميع السفن سيكون خياراً غير مناسب لأنه سيرفع تكاليف الواردات ويتحمل المستهلك النهائي أعباءه، كما أن فرضها على جميع الصادرات سيضر بالقطاعات غير النفطية.
ولذلك اقترحا قصرها على ناقلات النفط والغاز والمنتجات المرتبطة بالطاقة، بحيث تُدفع مقابل الخدمات التي تضمن سلامة تحميل الشحنات وخروجها من موانئ الخليج.
وأضافا أن جميع السفن تدفع بالفعل رسوماً للموانئ التي تستخدمها، وبالتالي فإن الجديد يتمثل في اعتبار موانئ الخليج جزءاً من منظومة بحرية إقليمية واحدة تعتمد في عملها على مضيق هرمز، وهو ما يبرر إنشاء رسم إضافي موحد يخصص لإدارة هذا المرفق المشترك.
كما شددا على أن إدارة هذه الرسوم ينبغي ألا تكون بيد دولة واحدة، وإنما عبر هيئة متعددة الأطراف تضم الدول الثماني المطلة على الخليج، لأن جميع هذه الدول تتحمل تكاليف حماية الملاحة وتأمين مرور ناقلات النفط العملاقة، فضلاً عن مواجهة الآثار البيئية التي تتركها حركة النقل البحري الكثيفة.
وبشأن العائدات المتوقعة، أوضح الكاتبان أن الأرقام ستكون محدودة للغاية مقارنة بحجم تجارة الطاقة العالمية.
فحتى إذا فُرض رسم يقارب 13 ألف دولار على كل عملية تحميل لناقلة نفط عملاقة، فلن تتجاوز الإيرادات السنوية نحو 26 مليون دولار.
وحتى في حال اعتماد رسم سنوي يبلغ 100 ألف دولار على كل ناقلة، فلن تزيد الإيرادات على نحو 60 مليون دولار سنوياً.
وأشارا إلى أن هذه المبالغ تمثل جزءاً ضئيلاً جداً من قيمة صادرات النفط والغاز العابرة للمضيق، التي تُقدر بنحو 600 مليار دولار سنوياً، ما يعني أن أثرها الاقتصادي سيكون شبه معدوم على تجارة الطاقة أو على شركات الشحن، في حين يمكن أن توفر ميزانية تشغيلية مناسبة لهيئة مسؤولة عن السلامة البحرية وحماية البيئة.
واعتبر الكاتبان أن القيمة الحقيقية للمقترح دبلوماسية وسياسية أكثر منها مالية، لأنه يفتح الباب أمام إنشاء مؤسسة إقليمية دائمة تتولى إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم بصــــورة جماعية، على غرار الأطر التعاونية القائمة في مضائق أخرى مثل القنال الإنكليزي ومضيق ملقا والمضائق التركية.
ولفتا إلى أن منظمة «أر أو بي إم إي» الإقليمية لحماية البيئة البحرية، التي تأسست عام 1978 وتضم جميع الدول المطلة على الخليج، يمكن أن تشكل أساساً لهذا الدور بعد توسيع صلاحياتها، أو يمكن إنشاء هيئة جديدة تتولى إدارة الرسوم والخدمات البحرية.
وأكدا أن المؤسسة التي ستدير هذه العملية أهم من الرسوم نفسها، لأنها ستؤسس لمسؤولية مشتركة تبني الثقة بين دول المنطقة تدريجياً.
وأضاف الكاتبان أن عدداً من أكبر أساطيل ناقلات النفط في العالم مملوك لدول خليجية، من بينها السعودية وإيران، وهو ما يجعل مساهمة هذه الأساطيل في تمويل الخدمات البحرية مثالاً على تحمل دول المنطقة مسؤولية أمنها البحري بصورة جماعية، إلى جانب مساهمات السفن الأجنبية المستفيدة من المرور عبر الخليج.
وفي ختام المقال، اعتبر الكاتبان أن إصرار إيران على فكرة الرسوم لا يرتبط بالحصول على إيرادات مالية بقدر ما يعكس رغبتها في تكريس دورها السيادي بعد الحرب، بينما تبحث غالبية دول مجلس التعاون عن آلية تقلل احتمالات اندلاع مواجهة جديدة.
وأضافا أن منطقة الخليج لم تعد مجرد مصدر للطاقة، بل أصبحت مركزاً عالمياً للصناعة والخدمات اللوجستية والتمويل والبنية الرقمية، ولذلك فإن أي اضطراب في مضيق هرمز ينعكس سريعاً على تكاليف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي.
وخلص الكاتبان إلى أن رفض فكرة «رسوم هرمز» بصورة مطلقة سيعني ضياع فرصة لبناء إطار جديد للتعاون الإقليمي، داعين دول الخليج والقوى الدولية إلى العمل على تطوير صيغة متعددة الأطراف لإدارة المضيق، معتبرين أن رسماً محدوداً قد يكون ثمناً بسيطاً إذا أسهم في ترسيخ الاستقرار والسلام في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك