العربية نت - حَكَمة تكشف حقيقة "فار"جنتين العربية نت - فيديو.. ولي عهد النرويج يقود "تجديف" اللاعبين أمام القصر الملكي وكالة شينخوا الصينية - الحكومة المصرية تؤكد أن مصنع "إيليت سولار" نموذج رائد للاستثمارات الصناعية المتقدمة العربية نت - "كاحل" مبابي يغيبه عن جزء من تدريبات فرنسا قبل قمة إسبانيا الجزيرة نت - الستة الأكثر حظا للفوز بترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة عام 2028 وكالة شينخوا الصينية - الصين وروسيا تختتمان مناورات بحرية مشتركة العربي الجديد - العودة إلى قانا... لبنانيون يتحدون الخوف والدمار بالبقاء والترميم العربي الجديد - تونسيون يعانون من العطش على تخوم السدود قناة العالم الإيرانية - روسيا تتوعد أوكرانيا بضربات أقوى وتحذر من تحالف باريس قناة التليفزيون العربي - حكم غيابي في السودان بإعدام قائد قوات الدعم السريع و15 آخرين في واقعة مقتل والي غرب دارفور
عامة

ضحايا الثرثرة

القدس العربي
القدس العربي منذ 3 ساعات
3

حضرت مرة جلسة كان أحد الحاضرين فيها يتحدث عن السياسة. في البداية، كان الجميع يصغي باهتمام. بعد عشر دقائق، بدأ أول الجالسين يغير وضعيته، ثم بعد نصف ساعة صار الثاني يحدق في السقف كما لو أنه اكتشف مجرة ج...

حضرت مرة جلسة كان أحد الحاضرين فيها يتحدث عن السياسة.

في البداية، كان الجميع يصغي باهتمام.

بعد عشر دقائق، بدأ أول الجالسين يغير وضعيته، ثم بعد نصف ساعة صار الثاني يحدق في السقف كما لو أنه اكتشف مجرة جديدة تطوف في الهواء.

وبعد ساعة، كانت الأجساد كلها قد أخذت تنزلق من على الأرائك وتتمدد أكثر؛ حتى بدوا لي كجنود سقطوا في معركة، بينما ظل صاحبنا واقفاً يخطب بالحماسة نفسها، غير مدرك أنه أسقطهم واحداً بعد الآخر.

لم يحمل بندقية، ولم يطلق رصاصة، لكنه قتلهم جميعاً بخطاباته العصماء التي تشبه منشورات الفيسبوك الجاهزة.

وقتها خطرت لي فكرة مرعبة؛ قلت في نفسي: ماذا لو أصبحَ هذا الرجل رئيس جمهورية؟ حينها لن يحتاج إلى دبابات ولا صواريخ ولا طائرات مقاتلة ليبيد أبناء بلده، بل سيقضي على شعبه بخطاباته الرسمية وحدها، سيعلن كلمة متلفزة في الثامنة مساءً، وعند الساعة الثانية عشرة مساءً ستكتظ الشوارع بسيارات الإسعاف لتنقل المواطنين الذين سقطوا في حالات إغماء جماعية ناتجة عن الأهمية التاريخية التي لا يراها غيره في خطابه الذي انتهى بأعجوبة.

ثم تذكرت رجلاً آخر كنت متحمسة جداً للقائه.

قيل لي إن حياته مليئة بالحكايات، فذهبت أحمل دفتراً صغيراً، وأنا أظن أنني سأعود بقصة تستحق الكتابة.

لكنني اكتشفت أن الرجل لا يعرف كيف يتوقف عن الكلام.

نبرة واحدة لا تصعد ولا تهبط، تفاصيل هامشية، استطرادات غير مهمة، بطء قاتل، وأحداث لو حذفتها لما تغير شيء في الحكاية.

شعرت في منتصف الجلسة أن ضغط دمي انخفض، فأخرجت حبة بندول من حقيبتي، ثم أخرى، ثم شعرت أن بطارية جسدي كلها فرغت بالتزامن مع علبة الدواء، بعدها بدأ بؤبؤا عينيّ يقترب أحدهما من الآخر.

لكن الغريب في الأمر أنه لاحظ كل ما حدث معي.

فجأة، التفت إليّ مبتسماً، وقال: «ترى حتى لو تموتين گدامي، ما راح أسكت».

وضحك.

أما أنا، ففي تلك اللحظة بالذات لم يعد يمكن أن أتخيلهُ بطلاً للحكاية، ليس لأنه يثرثر كثيراً، بل لأنه يعرف أنه يستنزف من أمامه، ومع ذلك لا يشعر بحاجة إلى التوقف.

لأول مرة أدركت أن الإنسان قد يكون طيباً، خلوقاً، محترماً، لكنه يملك عيباً واحداً من هذا النوع قادراً على ابتلاع كل هذه الفضائل دفعة واحدة.

ولي صديقة عزيزة تمتلك هذه الموهبة الخارقة أيضاً.

تزورني مساءً على اتفاقنا بأنها ستغادر بعد ساعة، ثم أكتشف أننا دخلنا الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة فجراً، وهي ما زالت في الموضوع العاطفي نفسه تقريباً.

تحمر عيناي من السهر، أبدأ بالتثاؤب كل دقيقة، وأنزلق على الأريكة سنتيمتراً بعد آخر، لكنها لا ترى شيئاً.

وإذا اعتذرت لأغسل وجهي، تقف خلف باب الحمام وتكمل حديثها.

وإذا دخلت غرفة النوم لجلب الدواء، تلحقني وهي تفتح علب المكياج وتجرب أحمر الشفاه، بينما السرد الدائري مستمر بلا انقطاع.

وأعترف أنني وصلت مرة إلى مرحلة كنت أفكر فيها بجدية: إن كان يمكن لإنسان أن يختبئ داخل جرارة الملابس؟ ثم ضحكت بيني وبين نفسي، لأنني متأكدة أنها ستفتح الجرارة أيضاً لتكمل حديثها.

إنَ أكثر ما يثير استغرابي أن هؤلاء جميعاً، على اختلاف شخصياتهم وأعمارهم وثقافاتهم، يشتركون في صفة واحدة تقريباً؛ وهي أنهم لا يعرفون الإصغاء.

يكفي أن تبدأ أنت بالكلام حتى تراهم يتململون.

يديرون رؤوسهم، أو يقاطعونك بعد جملتين، أو يسرقون أول كلمة تتفوه بها ليعيدوا الحديث إلى أنفسهم.

ينتظرون دورهم في الكلام، لكنهم لا يسمحون لك بالمشاركة.

فالحوار عندهم ليس طريقاً ذا اتجاهين، بل شارع تسير فيه قصصهم وحدها، أما الآخرون فوظيفتهم أن يقفوا على الرصيف ويصفقوا.

هنا أدركت أن المشكلة ليست في كثرة الكلام؛ ولا سيما أن هناك أشخاصاً يستطيعون الحديث لساعات متواصلة، لكنك لا تشعر معهم بالوقت، لأنهم يمنحونك إحساساً رائعاً بأنك موجود داخل الحديث، إضافة إلى جمالية كلامهم وأهميته، يراقبون وجهك، يختصرون عندما يلمحون التعب في عينيك، يحدثون انعطافة في الموضوع إذا ما شعروا أنك فقدت اهتمامك، ويمنحونك المساحة نفسها التي منحتهم إياها.

لذلك، ليست المشكلة في طول الحديث، بل في غياب الاعتراف بوجود المستمع.

ولهذا تذكرت السيد كولينز في رواية «كبرياء وهوى» لجين أوستن.

لم يكن رجلاً شريراً، ولا عدوانياً، لكنه كان مصاباً بنوع غريب من العمى.

يتحدث بلا توقف، ويكرر نفسه، ويغرق في مديح ذاته والاستطراد، غير قادر على قراءة وجوه من حوله.

وحين تقدم لخطبة إليزابيث بينيت ورفضته رفضاً واضحاً وصريحاً، لم يصدقها، لم ير وجهها، ولم ينتبه الى نبرة صوتها، بل أقنع نفسه بأن رفضها مجرد حياء أنثوي متوقع، واستمر في حديثه وكأن الواقع كله أقل أهمية من السردية التي ألفها داخل رأسه.

كم من السيد كولينز نقابل كل يوم؟ وربما لهذا السبب، أعتقد أن الإصغاء ليس مجرد ذوق اجتماعي، بل اعتراف أخلاقي بوجود الآخر.

فحين لا تصغي، فإنك لا تقول للشخص المقابل إن كلامه غير مهم فحسب، بل تقول له، من دون أن تشعر: أنتَ لستَ مرئياً.

كان الفيلسوف مارتن بوبر يرى أن العلاقة الإنسانية الحقيقية تقوم على «أنا وأنت»، أما هؤلاء فيحوّلونها دائماً إلى «أنا وأنا»؛ فلا يتركون مساحة يدخل منها أحد إلى الحديث، لأنهم يتعاملون مع الناس كما لو كانوا جمهوراً، لا شركاء في الجلسة.

ربما لهذا أشعر أن أكثر الناس وحدة ليس الصامت، بل ذلك الذي لا يستطيع أن يصغي.

يخرج من كل مجلس مقتنعاً بأنه كان نجمه، بينما يخرج الآخرون وهم يشعرون بأنهم لم يوجدوا فيه أصلاً؛ فقد تم ابتلاعهم بالكامل وكأنهم وجبة لشراهة ذلك الذي يريد أن يقول «أنا موجود» طوال الوقت.

إن معرفة الإنسان متى يصمت ليست ضعفاً في الشخصية، بل واحدة من أندر مواهب الذكاء الاجتماعي.

إنها السيطرة على الاندفاع في ترك الأثر، والقدرة على مقاومة الرغبة في احتلال الحديث، وإتاحة مساحة للآخرين يتنفسون فيها.

فالناس لا تشتاق إلى الشخص الذي لا يمنحها فرصة للكلام، بل إلى ذلك الذي يغادر الحوار قبل أن يستهلك حضوره، ويترك في نفوسهم رغبة حقيقية في سماع المزيد.

صدقوني؛ وأنا أكتب هذا المقال، شعرت بخوف حقيقي من أن أكون قد تحدثت من خلال الكتابة أكثر مما ينبغي.

لذلك سأتوقف هنا، قبل أن يتحول هذا المقال نفسه إلى ضيف ثقيل، يرفض المغادرة، ويظل يثرثر حتى يوم الإثنين القادم، خلف باب الصفحة في «الهواء الطلق» لـ «القدس العربي».

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك