يوم الاستقلال بالنسبة للجزائرين، شعلة فرح تتقد من الحكايا الواقعية والرمزية، التي شكلت الوعي الجمعي لشعبٍ لم يكن يوما عدوانيا، بل كان محلا لعدوان استهدف محو شخصيته ومسخها بالكامل، شعب تقول بعض المراجع ومنها كتاب الرحالة الألماني «رحلة فيلهلم شيمبر إلى الجزائر» الذي زار الجزائر عام 1831، حوالي عشرة شهور بعد الاحتلال، اختلط بالشعب وعرفه عن قرب وكتب عنه، لفتت انتباهه أخلاق الحمالين في الميناء، اختار اثنين من بين آخرين، فرأى تعاون مماثليهم معهم إذ أمدوهم بكل ما يحتاجونه لإتمام مهمتهم، روح التعاون هذه جعلته يقارنهم مع الحمالين في أوروبا الذين وصفهم بـ«القِحة والغدر والكسل»، لكن الأهم هو مقارنته بين مستويات التعليم في أوروبا والجزائر آنذاك: «لقد بحثتُ قصدا بين السكان في مدن الجزائر عن شخص واحد يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا؛ فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب»؛ الشاهد هو ان فرح الجزائريين بيوم الحرية والاستقلال مبرر، لأنه لا يمثل مجرد استعادة للأرض، ولكن أيضا تثبيت للشخصية الوطنية والقومية.
صندوق العَلَمْ وبنت الاستقلالاقتربت من تلك العجوز التي فاقت الثمانين من عمرها، والتي عاشت لحظة الاستقلال بكل ما تحمله من صبرٍ على الشدة والألم والقهر لأجل أن تزغرد في سمع العالم مع المغني الشعبي عبد الرحمن عزيز: «يا محمد مبروك عليك الجزائر رجْعَتْ لِيكْ»، ابتهاجا بعودة الأرض إلى المواطن البسيط الذي كان «الرومي» يحتقره، معتبرا إياه مشردا مرّ على مائدته مستكثرا عليه حتى الفتات، فالجزائر رجعت لهذا الـ«محمد»، وهو اسم شائع ومبارك لأنه اسم النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولشيوعه عندما ينادى على شخص غير معروف، يكون محمد هو الإشارة الصوتية التي تحيل إليه؛ يبدو في الأغنية أن محمد هو طفل صغير كانت تتوجه إليه كلمات المغني، لأنه سيقع على عاتقه استكمال مسيرة البناء التي بدأها الجيل الأكبر باستعادة السيادة، إذ يكمل الشطر السابق: «أنا عْلِي اللي عْمَلْتُو.
بَاقِي تَعْمَلْ اللي عْلِيكْ».
اقتربت من مخاوفها وآمالها، من إصرارها على أن فرنسا عليها أن تعلن اعتذارها لها، ولكل «جميلة» من جميلات الوطن، اقتربْتُ من أسرارها التي أودعتها صندوق عرسها وأخفت فيه «العَلَمْ» لترفعه ذات أصبوحة، صرخت «تحيا الجزائر» تاركة جسدها الخفيف لهبوب رقصٍ جنوني في فراغات الشوارع والطرقات المكتظة بهالات الحرية، والأصوات التي لا تنادي سوى على روح شهيدٍ صعدت، أو هالات «نجمة» هبطت.
تعرفني العجوز جيدا، قالت: أيام وتحل ذكرى الاستقلال، ثم حركت لحافها وأعادت ضبطه على رأسها وأردفت: حاول أن تكون حاضرا بعد يومين لتبحث لي عن العلم، لقد تركته مطويا في الصندوق؛ صندوق صاحَبَها من بيت أبويها ذات زمن بعيد، كانت تجمع به العروس جهازها.
لم يعد له من أثر، لكنها تصر على جلب العلم لترفعه فوق باب البيت، كما كل أعياد الاستقلال السابقة.
راحت تحدثني عن بُعَيْد الاستقلال، كانت تجمع المال لصالح «النظام»؛ «النظام» في الوعي الوطني الثوري هو مجموعة مؤسسات الثورة وتنظيماتها التي تسيّر الشأن الوطني خلال فترة الاستعمار.
مرت على أحدهم، وطلبت منه المبلغ المحدد، فتبرع بقطعة نقدية لم تعد مستعملة، أدركت ذلك وقررت أن ترد له الصاع صاعين، فتبعته، ومن خلفه، ودون أن يشعر بها رمته بتلك القطعة النقدية فأصابت ظهره، وأسرعت شاكية إياه إلى الجهة التي كلفتهما بالمهمة، حضر غاضبا ووصفها بما لا يليق، فما كان من مسؤول «النظام» إلا أن وبخه صارخا بأنها «بنت الاستقلال».
عندما عدت إليها أخبرتني بأن زواجها كان بُعَيْد الاستقلال بشهر أو بشهرين، وكانت مستمرة في عملها النسوي ضمن هيئة تابعة لـ«النظام»، وتم استدعاؤها لتنظيم استقبال جماهيري لرئيس دولة افريقية سيزور الجزائر مارا بمدينتها الجنوبية، تقول: ولكن «عْجُوزْتِي» (الحماة) رفضت خروجي لتلك المناسبة، فما كان من رئيسة جمعيتنا إلا الحضور إلى بيت زوجي، وتوجهت مباشرة بالخطاب إلى حماتي، سائلة إياها عن نشاطي النضالي قبل الزواج: أين كانت قبل الزواج؟ فردت الحماة: في بيت والدها، لكن مسؤولة التنظيم النسوي ردت وبكل حزم: إنها بنت النظام، ثم توجهت إلى الزوج باستفسار هادئ: كنت تعلم بنشاطها النضالي أم لا؟ هز رأسه بالإيجاب، فرضخت الحماة أخيرا وخرجت مع أخواتها لاستقبال ضيف الجزائر الافريقي.
كانت تحكي بكل جوارحها وجوانحها، ملتفتة مرة إلى جنبيها وأخرى إلى الخلف مهربة خوفا مخفيا في نظراتها المتوجسة، ثم بعدها تنبسط سرائرها مفضية بوجهها إلى ابتسامات خفيفة لا تستطيع بها مداراة قلق ما، قالت بعدها: أنا بنت الجزائر، بنت الاستقلال، هكذا كانت تقول السيدة «وهيبة»، التي كانت تحمل عمقا وجدانيا تسمي به كل أشياء العالم «جزائر»، يوم طلبها «سي عثمان» للزواج في الجبل، لم تجبه بأكثر من قولها: «نحن في عرس، زغاريده من رصاص»، وتزوجا بعد الاستقلال، ورحل سي عثمان قبل أن يرى وليده الأول، تقف عن الحكي وكأنها شهرزاد أدركها الصباح، أراها تدفع دمعا يغالب مقلتيها، ثم تضيف: وهيبة وهبت ما في بطنها لاسمين، إن كان ذكرا فهو عثمان وإن كانت أنثى فهي عثمانية، «هي هذه بنت الاستقلال».
استمرت في الحكي؛ أحيانا تمتد يدها لتخفي بسمة صغيرة، أو لتمسح دمعة غالبتها في زحمة الفرح وعيش اللحظة النضالية.
عندما تندمج مع الحكاية يتلاشى لحافها، تظهر خصلات شقراء، يبدو أنه ما طالها بياض الشيب، ربما هن جميلات الجزائر، قناديل مشعة على مقاس «نجمة»، عاشقات لا تطالهن شيخوخة.
في مستودع الذاكرة كانت تسمي الجزائر «نجمة»، هل تعرف كاتب ياسين؟ أجزم أنها لا تعرف سوى نجمتها التي أهدتها ذات يوم لأبنائها، «كنا نجري في دروب المدينة، كل ما يتحرك على وجه الأرض كان يستمتع بشمسٍ اسمها «حرية»، كانت السيارات، كل السيارات مشرعة أبوابها، لا تصمت محركاتها، ولا تتحرك إلا على زغرودة لـ «نجمة».
«وحدها نجمة، تلك الهجينة الساحرة المولودة من أرضهم المعشوقة و«فرنسا» الجاحدة والمهيمنة، تنجح في تهدئتهم»؛ هذه نجمة ياسين، الرواية التي وصفها واسيني الأعرج بأنها «بكر بعد كل افتضاض»، تحل كل حين مع مواعيد الاستقلال لتروي حكاية عشاق الأرض/الوطن.
«لخضر، رشيد، مراد ومصطفى»، المعذبون في متاهات المحو والإلغاء، ذاكرة فرنسا التي أرادت الأرض غير ناظرةٍ إلى ما يعلوها، ذاك هو الذي نسج الأمل في قلوب البسطاء المفتونين بـ«الأرض المعشوقة»، لم ير الاستعمار سوى ما يحقق أطماعه وأنانياته، لم يتجاوز نظره حدود التراب، وحده كاتب ياسين المتوزع في وجدان كل مناضل رأى »نجمة» كما لم يرها غيره، كان كاتب ياسين كما «نرجس» الأسطورة، يرى في السماء نجمة وفي النهر، لكن أدرك انه لا يستطيع الإمساك بها، تملى فتنة جمالها، تحمل الانتظار حتى سقط متيما بعشقها، فنبت قلب من «شهادة» يحمل جواز مرور لـ«نجمة».
لم يكتب ياسين «نجمة» من فراغ، أو من هوامش الترف الإبداعي، لقد كان يتشوف يوليو/تموز الجميل، الخامس منه تدلت زغرودة من سماء «نجمة»؛ وأخيرا تنفس رشيد، لخضر، مصطفى ومراد نسائم الشوق في فضاء «الساحرة»، تلاشت كل قضبان السجون لتعود «الجزائر» نجمة كما في الحكايات والأساطير والأغاني التي ملأت أسماع الحياة؛ جملة البداية في رواية نجمة: «لخضر فر من زنزانته»، فر من نفسه المستكينة، من كل ما يشده إلى الخضوع للقهر والهيمنة؛ فر من المساحة الصغيرة في الحيز ناشدا الفضاء الممتد في الكون، نجمة لا يمكن أن تحتويها الجدران ولا فكرة الحدود الترابية، «نجمة»، أكبر من ذلك لأن الوطن هو «ذلك الظل الذي يستحيل تلاشيه».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك