منذ أكثر من عشرين عاماً، أثبت بنيامين نتنياهو قدرة استثنائية على الإفلات من كل الأزمات التي كان يعتقد أنها ستنهي مستقبله السياسي.
فقد نجا من انتفاضات فلسطينية، وحروب متعددة، وانقسامات حزبية، واتهامات بالفساد، ومحاكمات جنائية، واحتجاجات شعبية غير مسبوقة، بل استطاع في كل مرة أن يعيد إنتاج نفسه، وأن يحول نقاط ضعفه إلى أدوات لتعزيز موقعه السياسي.
ولهذا السبب، فإن السؤال المطروح اليوم حول ما إذا كانت انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر المقبل ستسحب منه «الصلاحية السياسية» لا يمكن الإجابة عنه بسهولة، لأن تاريخ الرجل يدعو إلى الحذر من إصدار أحكام مبكرة، حتى إن بدت المؤشرات الحالية أكثر سلبية بالنسبة إليه من أي وقت مضى.
فالاستطلاعات الأخيرة للرأي العام الإسرائيلي، تكشف عن تغير مهم في المزاج السياسي.
إذ يظهر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت، بوصفه المنافس الأكثر جدية لنتنياهو منذ سنوات طويلة.
وتمنح البيانات الصادرة عن معهد «كانتر» لصالح هيئة البث الإسرائيلية «كان» حزب آيزنكوت الجديد «يشار» أربعةً وعشرين مقعداً، مقابل ثلاثة وعشرين مقعداً فقط لحزب الليكود.
ورغم أن الفارق لا يتجاوز مقعداً واحداً، فإن دلالته السياسية تتجاوز الأرقام نفسها، لأن الليكود ظل طوال سنوات الحزب الأكثر قدرة على احتلال المركز الأول، فيما ينجح حزب حديث الولادة في تجاوزه ولو رمزياً.
وينبغي عدم التعامل مع هذه الاستطلاعات، باعتبارها حكماً نهائياً على نتائج الانتخابات المقبلة، فالمزاج الانتخابي الإسرائيلي معروف بسرعة تقلبه، كما أن الأشهر التي تفصلنا عن موعد الاقتراع كافية لإحداث تغيرات كبيرة، خصوصاً في مجتمع يعيش على وقع الحروب والأزمات الأمنية.
غير أن القراءة المتأنية لا تتوقف عند عدد المقاعد التي يحصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما عند صورة الكتل السياسية بمجملها، وهي الصورة الأكثر أهمية في النظام البرلماني الإسرائيلي.
المؤكد أن إسرائيل، سواء بقيادة نتنياهو أو بقيادة آيزنكوت، لن تشهد تحولاً استراتيجياً يبدل طبيعة المشروع الإسرائيلي أو يعيد إحياء عملية السلام بصيغتها التقليديةفحسب معظم الاستطلاعات، تحصد أحزاب المعارضة مجتمعة نحو ثمانية وستين مقعداً، مقابل اثنين وخمسين مقعداً فقط للكتلة المؤيدة لنتنياهو.
وإذا استمر هذا الاتجاه حتى موعد الانتخابات، فإن مهمة تشكيل حكومة جديدة بقيادة نتنياهو ستصبح شديدة الصعوبة، وربما مستحيلة، لأن المشكلة لن تكون في حجم الليكود وحده، بل في تراجع قدرة معسكره بأكمله على الوصول إلى أغلبية برلمانية.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة إذا ما قورن بالظروف التي أوصلت نتنياهو إلى السلطة، بعد انتخابات عام 2022، عندما نجح في بناء أكثر الحكومات يمينية ودينية في تاريخ إسرائيل، مستنداً إلى تحالف متماسك نسبياً.
أما اليوم، فإن هذا التحالف نفسه يبدو أكثر هشاشة، سواء بسبب الخلافات الداخلية، أو بسبب التراجع الكبير في الثقة الشعبية، في ظل استمرار تداعيات الحرب الطويلة على غزة، والأزمة الاقتصادية، والانقسامات المجتمعية، واستمرار قضية الأسرى الإسرائيليين، إضافة إلى تنامي الشعور لدى قطاعات واسعة من الإسرائيليين بأن الحكومة الحالية فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة.
وفي المقابل، لا يقتصر صعود غادي آيزنكوت على اعتبارات حزبية، بل يرتبط أيضاً بعوامل شخصية وسياسية معقدة، ففي المجتمع الإسرائيلي، الذي يمنح المؤسسة العسكرية مكانة تكاد تكون مقدسة، يمثل الجنرال السابق نموذجاً يحظى بقدر كبير من الاحترام.
وتزداد صورته قوة بسبب فقدانه نجله خلال الحرب على غزة، وهو ما أكسبه، في نظر كثيرين، مصداقية أخلاقية يصعب الطعن فيها، وجعله يبدو قائداً يدفع ثمناً شخصياً للحرب، لا مجرد سياسي يديرها من خلف المكاتب، بالإضافة إلى أن آيزنكوت ينتمي إلى عائلة يهودية مغربية، ما يمنحه فرصة لاختراق قاعدة انتخابية شرقية كانت تشكل لعقود الخزان الشعبي الأهم لنتنياهو والليكود، فقد نجح نتنياهو طويلاً في الاحتفاظ بولاء قطاعات واسعة من اليهود الشرقيين، عبر خطاب يقوم على استحضار شعورهم التاريخي بالتهميش من قبل النخب الإشكنازية، إلا أن ظهور شخصية عسكرية مرموقة من أصول مغربية، قد يضعف هذه الورقة، ويعيد توزيع جزء من الأصوات داخل المعسكر ذاته.
ومن هنا، لا يبدو مستغرباً أن يتحدث عدد متزايد من كبار المحللين الإسرائيليين، عن أن مستقبل نتنياهو السياسي بات أكثر خطورة مما كان عليه في أي مرحلة سابقة.
فالكثير منهم يجمع على أن الائتلاف الحالي يواجه صعوبة كبيرة في إعادة إنتاج نفسه، حتى لو بقي الليكود الحزب الأكبر أو أحد أكبر الأحزاب.
وفي المقابل، يدرك هؤلاء أيضاً أن المعارضة ليست في وضع مريح تماماً، لأنها تواجه تحدياً لا يقل تعقيداً، يتمثل في كيفية تشكيل حكومة مستقرة من دون الاعتماد على الأحزاب العربية، أو على الأقل الحصول على دعمها البرلماني، وهو خيار لا يزال يثير حساسيات كبيرة داخل السياسة الإسرائيلية.
لكن المشهد لا يقتصر على الحسابات الداخلية وحدها، بل يمتد إلى العلاقة مع الولايات المتحدة، التي تبدو اليوم أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
فمن الواضح أن استمرار الحرب، وسياسات الحكومة الإسرائيلية، وتوسع الاستيطان، والجمود السياسي، كلها عوامل باتت تضع الإدارة الأمريكية أمام تحديات متزايدة في إدارة ملفات الشرق الأوسط.
وتشير تقديرات سياسية عديدة إلى أن نتنياهو تحول تدريجياً إلى عبء دبلوماسي على واشنطن، ليس بسبب خلاف شخصي مع الإدارة الأمريكية، وإنما لأن أولوياته السياسية أصبحت تتعارض بصورة متزايدة مع الاستراتيجية الأمريكية الأوسع في المنطقة، والتي تقوم على تهدئة الجبهات، وإعادة ترتيب الإقليم، وتوسيع دائرة اتفاقيات التطبيع، وتهيئة الظروف أمام ترتيبات إقليمية تشمل ملفات أكثر تعقيداً، من بينها العلاقة مع إيران.
ومع ذلك، سيكون من المبالغة الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ستتدخل بصورة مباشرة لإسقاط نتنياهو انتخابياً.
فالإدارات الأمريكية، مهما بلغت درجة انزعاجها من أي رئيس حكومة إسرائيلي، تدرك حساسية التدخل في الانتخابات الإسرائيلية، وتفضل عادة التأثير غير المباشر عبر الرسائل السياسية والضغوط الدبلوماسية، مع ترك القرار النهائي للناخب الإسرائيلي.
ويبقى السؤال الأكثر إثارة: هل قررت واشنطن بالفعل أن الوقت قد حان للتخلص من نتنياهو باعتباره أصبح عبئاً استراتيجياً، أم أنها لا تزال ترى فيه شريكاً يمكن التعامل معه رغم كل الخلافات؟ والإجابة ليست محسومة.
فالتاريخ يبين أن الولايات المتحدة كثيراً ما فضلت التعامل مع زعماء إسرائيليين يسببون لها الإزعاج على المجازفة بحالة من عدم الاستقرار السياسي داخل إسرائيل.
وفي المقابل، ينبغي عدم الاستهانة بقدرة نتنياهو على قلب المعادلات في اللحظات الأخيرة، فقد بنى مسيرته السياسية على استثمار الأزمات الأمنية وتحويلها إلى رصيد انتخابي، ولذلك، لا يستبعد كثير من المراقبين أن يحاول استثمار أي تصعيد عسكري أو أمني خلال الأشهر المقبلة لإعادة توحيد معسكر اليمين خلفه، مستفيداً من حقيقة أن الناخب الإسرائيلي يميل في أوقات التوتر إلى تفضيل الشخصيات التي يعتقد أنها تمتلك خبرة أمنية طويلة.
ولعل التجربة الإسرائيلية تؤكد أن الانتخابات لا تُحسم دائماً بالبرامج الاقتصادية أو الاجتماعية، بل كثيراً ما تُحسم تحت تأثير الشعور بالخوف والتهديد الأمني.
وهذه هي الورقة التي أتقن نتنياهو استخدامها طوال حياته السياسية، ولا يوجد ما يمنع من أن يحاول استخدامها مرة أخرى إذا سنحت الظروف.
لكن حتى إذا انتهى عهد نتنياهو، فإن الخبر لا يحمل بالضرورة ما يدعو إلى التفاؤل فلسطينياً.
فالكثير من الفلسطينيين قد يخلطون بين سقوط شخص وسقوط مشروع، بينما الواقع يشير إلى أن المؤسسة الإسرائيلية أكثر ثباتاً من الأشخاص الذين يقودونها.
فغادي آيزنكوت، رغم صورته الأكثر هدوءاً والأقل استقطاباً، لا يختلف كثيراً عن نتنياهو في جوهر رؤيته الأمنية.
فهو أحد أبرز منظري ما يعرف بـ»عقيدة الضاحية»، التي تقوم على استخدام قوة عسكرية مفرطة وغير متناسبة ضد البيئة الحاضنة للخصم بهدف خلق ردع طويل الأمد، وهي العقيدة التي تعرضت لانتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان بسبب آثارها المدمرة على المدنيين والبنية التحتية.
كما أن مواقفه السياسية لا تعكس استعداداً حقيقياً لدعم قيام دولة فلسطينية مستقلة، إذ سبق أن وصف هذا الطرح بأنه «غير ذي صلة» في الظروف الحالية، بما يعكس استمرار الإجماع الإسرائيلي الواسع على أولوية الاعتبارات الأمنية على أي تسوية سياسية.
وهذا يعني أن الفلسطينيين قد يواجهون، في حال فوز آيزنكوت أو أي شخصية أخرى من معسكر الوسط، تغييراً في اللغة والأسلوب وإدارة العلاقة مع المجتمع الدولي، لكنهم لن يواجهوا بالضرورة تغييراً جذرياً في الاستراتيجية الإسرائيلية الكبرى، سواء فيما يتعلق بالاستيطان، أو السيطرة الأمنية، أو مستقبل الدولة الفلسطينية.
ولهذا، فإن الانتخابات المقبلة ينبغي أن تُقرأ من زاويتين مختلفتين.
الأولى داخلية إسرائيلية، تتعلق بإمكانية انتهاء الحقبة السياسية الأطول التي قادها نتنياهو، والثانية فلسطينية وإقليمية، تتعلق بحدود ما يمكن أن يغيره سقوط رجل واحد في دولة تحكمها مؤسسات أمنية وعسكرية واستراتيجية راسخة تتجاوز الأشخاص والأحزاب.
قد يخسر نتنياهو الانتخابات المقبلة، وقد ينجح مرة أخرى في الإفلات من السقوط كما فعل مراراً خلال العقدين الماضيين.
لكن المؤكد أن إسرائيل، سواء بقيادة نتنياهو أو بقيادة آيزنكوت، لن تشهد تحولاً استراتيجياً يبدل طبيعة المشروع الإسرائيلي أو يعيد إحياء عملية السلام بصيغتها التقليدية.
وإذا كان رحيل نتنياهو سيحمل معنى، فإنه سيكون في المقام الأول نهاية مرحلة سياسية داخل إسرائيل، لا نهاية للسياسات التي أنتجته، ولا بداية تلقائية لمرحلة أكثر إنصافاً للفلسطينيين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك