أطلق النائب الأمريكي الديمقراطي رو خانا صفة «سفاكي الدماء» على قطعان المستوطنين الإسرائيليين الذين قطعوا الطريق على مركبته المتوجهة من الخليل إلى إحدى قرى الضفة الغربية، واحتجزوه طيلة 90 دقيقة تحت تهديد رشاشات M4 أمريكية الصنع، كما احتجزوا أحد مساعديه أكثر من 60 دقيقة.
وأما دولة الاحتلال، التي اتهم رو خانا جيشها بالاصطفاف مع إجرام المستوطنين، فلم يتردد في وضعها تحت تصنيف الأبارتايد وارتكاب جرائم الحرب والإبادة الجماعية، وتساءل إذا كان مستوطنوها وأفراد جيشه يقمعون نائباً في الكونغرس الأمريكي على هذه الشاكلة، فما الذي يمكن أن يذهبوا إليه في اضطهاد الفلسطينيين؟و»الجريمة» التي اعتبر المستوطنون أن خانا اقترفها، كانت إصراره على زيارة قرية فلسطينية بدوية «دمرها المستوطنون الإسرائيليون» حسب تعبيره، وأراد ومرافقوه الوقوف عيانياً على آثار تدمير بيوتها ومدرستها وحقولها.
ولكن لا يغيب عن الأذهان أن استهداف خانا لم يكن عربدة عشوائية على شاكلة ما اعتادت قطعان المستوطنين ممارسته في سائر مدن وبلدات وقرى الضفة الغربية والقدس المحتلة، وكذلك لم تكن مصادفة عابرة أن جيش الاحتلال تواطأ في الواقعة.
كان الاحتجاز بمثابة عقاب للنائب الأمريكي على مواقفه المناهضة للسياسات الإسرائيلية، وجهوده الدائبة ضمن مجموعة النواب التقدميين لتمرير قوانين في الكونغرس تحدّ من المساعدات الأمريكية الهائلة لجيش إسرائيلي، يرتكب جرائم الحرب ويواصل الاحتلال ويحمي الاستيطان ويمارس التمييز العنصري ويشارك في تدمير الممتلكات وتخريب المزارع ومصادرة الأراضي.
من جانب آخر، شاءت المصادفة أن يتزامن التعدي على النائب خانا مع تطور آخر على صلة بمواقف ساسة أمريكيين حيال سياسات دولة الاحتلال، يخص هذه المرة شخصية رام إيمانويل، رئيس أركان البيت الأبيض خلال رئاسة باراك أوباما، وعمدة شيكاغو السابق والسفير في اليابان.
ولكنه أيضاً يهودي الديانة، يحمل الجنسيتين الأمريكية والإسرائيلية، وسبق له أن خدم متطوعاً في جيش الاحتلال أثناء حرب الخليج الأولى، 1991.
وفي جامعة تل أبيب، خلال زيارة قام بها إلى دولة الاحتلال مؤخراً، ألقى إيمانويل محاضرة شديدة الانتقاد لحكومة بنيامين نتنياهو، انتهت إلى خلاصة صدمت الكثيرين لأنها أنذرت بأن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين تتسبب في «تآكل الدعم» للتحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي، وذلك على ضوء استطلاعات رأي تفيد بأن مساندة أعضاء الحزب الديمقراطي لدولة الاحتلال هبطت من 59% في سنة 2018، إلى 22% مؤخراً.
كما اعتبر إيمانويل أن حكومة نتنياهو «قادت إسرائيل إلى طريق مسدود»، وطالب استطراداً بوقف الدعم العسكري الأمريكي للجيش الإسرائيلي.
وإذا كان الساسة الإسرائيليون قد تزاحموا بالمناكب لرثاء عضو الكونغرس الأمريكي الراحل لندسي غراهام، صديق الاحتلال الصدوق الذي دعا ذات يوم قريب إلى أن «تُسوّى غزة بالأرض»، فإن البلطجة بحق النائب خانا، أو بكائيات إيمانويل التي لا تخرج عن إطار شاهد من أهلها، ليست مرشحة لأن تكون آخر أحزان الكيان الصهيوني مع الحزب الديمقراطي.
فالقادم أعظم، لأن التآكل أشدّ والأبارتايد أشنع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك