العربية نت - فيديو.. ولي عهد النرويج يقود "تجديف" اللاعبين أمام القصر الملكي وكالة شينخوا الصينية - الحكومة المصرية تؤكد أن مصنع "إيليت سولار" نموذج رائد للاستثمارات الصناعية المتقدمة العربية نت - "كاحل" مبابي يغيبه عن جزء من تدريبات فرنسا قبل قمة إسبانيا الجزيرة نت - الستة الأكثر حظا للفوز بترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة عام 2028 وكالة شينخوا الصينية - الصين وروسيا تختتمان مناورات بحرية مشتركة العربي الجديد - العودة إلى قانا... لبنانيون يتحدون الخوف والدمار بالبقاء والترميم العربي الجديد - تونسيون يعانون من العطش على تخوم السدود قناة العالم الإيرانية - روسيا تتوعد أوكرانيا بضربات أقوى وتحذر من تحالف باريس قناة التليفزيون العربي - حكم غيابي في السودان بإعدام قائد قوات الدعم السريع و15 آخرين في واقعة مقتل والي غرب دارفور قناة الجزيرة مباشر - Press Review | The New York Times: MOU granted Iran influence in Hormuz instead of ensuring freed...
عامة

الفرضيات مفتاحا للنصوص

القدس العربي
القدس العربي منذ ساعتين
2

هذا هو الجزء الثاني والأخير من المحاضرة التي ألقيتها في آخر يونيو/حزيران الماضي على طلبة الدكتوراه في المعهد العالي للعلوم الإنسانية في تونس، حول اللسانيات قيدا منهجيا في الآداب. يدور الاهتمام هنا حول...

هذا هو الجزء الثاني والأخير من المحاضرة التي ألقيتها في آخر يونيو/حزيران الماضي على طلبة الدكتوراه في المعهد العالي للعلوم الإنسانية في تونس، حول اللسانيات قيدا منهجيا في الآداب.

يدور الاهتمام هنا حول افتراضنا، أنّ النصوص الأدبية والحضارية يمكن الاشتغال عليها بالفرضيات اللسانية.

من المعلوم أنّ اللسانيات وبمختلف اتجاهاتها ارتكزت على كثير من الفرضيات من بينها فرضية سابير وورف Sapir -Whorf حول النسبية اللغوية وترى الفرضية أن بنية لغة من اللغات تؤثر في الطريقة التي يدرك بها المتحاورون الكون.

صحيح أنّ هذه الفرضية لا تنتمي لا زمنا ولا تفكيرا إلى المبادئ اللسانية العرفانية، ولكنها تجد قربا من فكرة لسانية عرفانية هي البناء Construal التي تعني قدرة ذهنية بشرية تتمثل في إدراكهم وضعيّة واحدة، أو مشهدا معيّنا والتعبير عنه بطرق مختلفة.

فالمتكلم وهو يبني بالكلام الواقع، لا يفكر في الكون وعناصره ووضعياته بحياد، بل إنّه يستعمل لبنائه أطرا هي أشكال من تجربته في الكون.

هذه الفرضية مهمة في الإقبال على نصوص الأدب والحضارة، وحتى على الكلام اليومي إن كان يمثل مدوّنة للبحث في بعض المسائل اليومية؛ ذلك أنّ هذه الفرضية تجعل الكلام مبنيا بناء لغويا مرتبطا بالإدراك وأنّه يعبر عن تمثيلات معينة الحديث عن وضعيات بنيت بناء يقبل التعدّد وتنوع وجهات النظر.

لكنّ قبول التعدّد في بناء الوضعيات هو افتراض يخضع لتعدّد القائلين وإطلالاتهم من زوايا نظر تختلف عن زواية النظر التي صوّرت لنا في النصّ.

لكنّ الواقع أنّ من تكلم أو كتب ومن علّق أو استنتج، إنّما بَنى وجهة نظر وحيدة هي وجهة نظره هو؛ وأنّه وهو يبنيها من الممكن أن يعتقد أنّها طريقة وحيدة في بناء الكون وهذا ما يمكن أن يحمله النصّ الوثوقي، أو النصّ المشبع أيديولوجيا، أو النصّ المنضبط لنواميس الكتابة، الذي يعتقد أنّه لا يمكن أن تؤتى الكتابة إلا من هذا الطريق الذي سلكه.

هنا تكمن الجبرية وهي جبرية تظهر في اللغة باتباع القواعد النحوية وباختيار الألفاظ التي يعتقد المتكلم أنّها الوحيدة التي تعبر أكثر من غيرها عن الفكرة المقصودة؛ وهذه الجبرية يمكن أن توجد في النصوص الشعرية التي كتب عليها أن تدبّج صورها بطرق استعارية مألوفة أو أن توقّع الأبيات بإيقاع العروض الذي وإن تنوّع يظلّ اختياره محدود النطاق.

لنفترض أنّ طالبا في الحضارة يشتغل على فكرة الخلافة ويعتمد المقطع التالي من كتاب الخلافة لمحمد رشيد رضا ( 32) وفيه: «وَمَا كَانَت أهواءُ العصبيَّة والمحاباة فِي الدّين إِلَّا فتْنَة لنا، وضارّة بعربنا وعجمنا، وَإِن جهل ذَلِك الكثيرون منا، وَإِن حِكْمَة الشَّارِع [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] فِي جعل خلَافَة نبوّته فِي قُرَيْش منزّهة عَن العصبيّة الْجَاهِلِيَّة الَّتِي حرّمها، ولبابها مَكَان قُرَيْش من هَذَا الدّين وَكتابه وَنبيّه ولغته وَأَهْلهَا».

لنفترض أنّ الرؤية التي يعبّر عنها رضا في النصّ هي رؤية أحاديّة أو فرديّة؛ وأنّ هذه الرؤية تسلّحت بأساليب تفرض أحاديّتها ولنقل جبريّتها.

جبريّة اللغة هي فضاء ظاهر أو شكل لخلفية أخرى جبرية بدورها هي الجبرية الفكرية.

اللغة جبريّتها في القواعد النحوية وهي ليست مفيدة ههنا لأنّها شأن كلّ كتابة لكنّ الجبرية يمكن أن تدرك في النصّ من جهتين: المعجم والتركيب.

في المعجم استعمل رضا عبارات كان مجبرا على استعمالها لأنّها ذات طبيعة اصطلاحية، أو شبه اصطلاحية تأبى الترادف والإبدال وهي الجاهلية والعصبية، وهما عبارتان تسمان ما بعديّا حضارة ما قبل الإسلام من ناحية؛ والفتنة والخلافة والنبوة والكتاب والنبي وهي عبارات من القاموس الديني الإسلامي، تسمان حضارة ما بعد الدخول في الإسلام.

ما يعنينا هنا أنّ اللغة العربية في كلام رضا هي جزء قدري من الهوية الثقافية، التي تستمد اتصالها بما هي فرع من مركز هو قبيلة قريش التي وهبت مكانة دينية لا عصبية.

فمن الجبر أن تكون اللغة شريفة شرف قريش ودين الرسول المنسوب إليها والكتاب الذي نزّل عليه.

اللغة هنا ليست شكلا للثقافة، بل هي ركن من أركان العقيدة، وأنّ أخذ هذه الثقافة ينبغي أن يكون أخذا لحزمة فيها عناصر كثيرة منها عنصر اللغة.

نلاحظ هنا أن اللغة بما هي مكوّن ثقافي جزء من بناء إدراكي عقدي لكيفية تشريف قريش بأن تصبح الرسالة النبوية وخلافته فيها.

لكنّ الجبريّة اللغوية كامنة في استعمال أسلوب القصر الذي لا يرينا الحقائق إلاّ من كوّة وحيدة نقصر منها النظر ونحصره فيها وذلك في قوله: « وَمَا كَانَت أهواءُ العصبيَّة والمحاباة فِي الدّين إِلَّا فتْنَة لنا، وضارة بعربنا وعجمنا».

أن تنتصر سياسيا لمن شاركك الدين وخالفك الانتماء إلى قريش فذلك لا يمكن أن يكون إلا محاباة، بل يكون فتنة وهي لا شكّ أشدّ من القتل في هذا التصوّر.

القصر هيكل لغوي يسكب فيه الرأي الواحد ويمجّد ولا يرى غيره، بل إنّ عدم رؤيته كذلك لا يعبر عن وجهة نظر، بل يعبّر عن عدم نظر فإمّا أن تنظر من هذه الكوّة الفريدة، وإمّا أنك لا تملك النظر.

يقول: «وَإِن جهل ذَلِك الكثيرون منا».

في البنية الجبرية التي اعتمد القصر أسلوبا لها، لا توجد غير رؤية وحيدة للعصبية والأهواء وأنّ عكسها يندرج في باب الجهل وليس في مخالفة الرؤية.

عبارة جهل في هذا السياق هي عبارة العمى عن الحقيقة وتعوّض بما هي بنية لغوية جبرية بنية افتراضية: النظر إلى المسألة من منظار ثان أو ثالث.

لقد زحزح مفهوم العصبية عن كونه يشتغل في نظام عرقي قبلي، إلى أن بات يشتغل في إطار ديني هووي: يبقى أن نسأل ههنا ومن باب الافتراض أيضا: هل أنّ زحزحة المفهوم عن أصله العرقي اجتهاد أم ضرورة فكرية؟ ليس للباحث هنا إلاّ أن يبني رأيه على فرضيّتين: إن كان اجتهادا فما أسبابه وما نتائجه؟ وإن كان ضرورة فكرية فما هي أسسه وما ضروراتها في تفكير هذا المصلح من داخل الأنساق؟غير بعيد عن هذا الإطار من العصبية التي أصلها قبلي يمكن أن نأخذ عينة ثانية هي نصّ للجاحظ في كتاب الحيوان يتحدث فيه عن الحلف والخروج بين القبائل في الجاهلية، وأثر ذلك في الشعر يقول: والحلف ضربان: فأحدهما كانضمام عبس وضبّة، وأسد وغطفان، فإنّ هؤلاء أقوياء لم ينهكوا كما أنهكت باهلة وغنيّ، لحاجة القوم إليهم، ولخشونة مسّهم إن تذكّروا على حال؛ فقد لقيت ضبّة من سعد، وعبس من عامر، وأسد من عيينة بن حصن ما لقوا.

وقد رأيت مشقّة ذلك على النابغة، وكيف كره خروج أسد من بني ذبيان.

وعيينة بن حصن وإن كان أسود من النابغة وأشرف، فإنّ النابغة كان أحزم وأعقل.

وربّ قوم قد رضوا بخمولهم مع السلامة على العامّة، فلا يشعرون حتّى يصبّ الله تعالى على قمم رؤوسهم حجارة القذف، بأبيات يسيّرها شاعر، وسوط عذاب يسير به الراكب والمثل، كما قال الشاعر:إن منافا فقحة لدارم … كما الظليم فقحة البراجم» ( كتاب الحيوان: 1/ 362] سنستعمل لهذا المقطع من النص فرضية من فرضيات العرفانيّين أخرى هي فرضية الجسدنة التي تقول إنّ أفكارنا وتمثيلاتنا تتشكل من تفاعلاتنا الجسدية والحسية الحركية مع الكون.

وهذا ما نراه في التعبير عن التحالف بين القبائل بألفاظ فيها تجرية البشر مع أجسادهم في عبارات الانضمام وفي استعارة صورة راحة اليد (فقحة) فالقبيلة الكبرى تكون للبطن منها (التسمية مستعارة من الجسد) كراحة اليد بالنسبة إلى مفصل الأصابع (برجم).

واستعمل الجاحظ في وصف القبيلة أعمالا تسند في الغالب إلى تجاربنا مع أجسادنا فالقبائل أقوياء لم ينهكوا وبهم خشونة، وتشعر القبائل بالمشقة، وللقبائل خمول مثلما للأجساد وتقع الأسواط على رؤوس القبائل مثلما تقع على رؤوس البشر، ويقذفون بالحجارة كما يقذف البشر… حسب هذه الفرضية فإنّ في كلام الجاحظ استعارات لا تفنّن فيها، بل فيها إدراك للقبيلة كأنّها جسم واحد يمكن أن يقوى ويشتد، أو يهن ويضعف.

وما بكاء الشعراء وهم أعضاء من ذلك الجسد إلاّ كبكاء من يشعر بأنّ جسمه أصابه الوهن والبلى: إنّه رثاء للأبدان التي باتت قبائل، أو التي امتزج الجسم فيها بالعرق: لم نخرج كما ترون من سلطان الجسد حتى في عبارة العرق.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك