منذ 2011 ونحن نصرخ هنا فى هذه المساحة، تحذيرا من مواقع التواصل الاجتماعى، الساعية إلى «خلق واقع» من العدم، بديلا عن الواقع الحقيقى، وأن هناك آلاف الوقائع التى تنتشر على هذه المنصات لا تمت للحقائق والواقع على الأرض بأى صلة، فالمزايدات سمة هذا العالم الافتراضى، والاستقطاب وتشويه الحقائق، أهدافها، واستفحلت مخاطرها للحد التى امتلكت فيه القدرة على هندسة الوعى لدى قطاع عريض من مدمنى الإعجاب «اللايك» والتعليق «الكومنت» والمشاركة «الريشير»، بصرف النظر عن ضآلة المحتوى، وضحالة مقدمه، الفكرية والعلمية.
السوشيال ميديا، طوال السنوات الماضية، خلقت وعيا زائفا، ودشنت لحالة مشحونة لضرب العلاقات بين مكونات الشعب الواحد، وبين العرب بعضهم البعض، لدرجة أنه خُيل أن كل الشعوب العربية متقطعة الأواصر وتعيش حالة عداء مستعرة، وساحة مفتوحة للكراهية والانقسام، وأن الخلافات والتصدعات بينهم وصلت لدرجة من الصعوبة أن تعود إلى حالتها الطبيعية؛ ورغم تأكيدات القيادات السياسية والتنفيذية للدول عن عدم وجود خلافات بين الأشقاء، إلا أن الخلافات على مواقع التواصل الاجتماعى، كانت مشتعلة، والتريندات والهاشتاجات، بمثابة البنزين التى تُسكب عليها فتزيدها اشتعالا.
وجاءت مشاركة المنتخب المصرى لكرة القدم فى المونديال، برفقة أشقائه، منتخبات السعودية والأردن وقطر والجزائر والعراق وتونس والمغرب، لتؤكد أنها ليست مجرد مشاركة فى حدث رياضى عالمى، عابر، ولم تكن ردود الأفعال التى أعقبتها مجرد اختلاف طبيعى فى تقييم الأداء أو قراءة النتائج، وإنما حالة صاخبة من الفرحة الصافية بانتصارات المنتخبات فى كل ربوع الوطن العربى.
فرحة أصابت الشعوب ذاتها بحالة من الدهشة، فالواقع ينضح بالحب الصادق، والفخر والاعتزاز بأى إنجاز يحققه منتخب عربى، وأن يحزنوا على خروج أى منتخب يمثلهم، وهى مشاعر حقيقية صنعتها عقود طويلة من التاريخ واللغة والثقافة والوجدان المشترك، على عكس ما كان يحدث تماما فى مواقع التواصل الاجتماعى.
المنتخب المصرى على وجه الخصوص، أبرز هذه المشاعر، وحالة الالتفاف العربى المذهل حوله، وهو ما دفعنا للسؤال: لماذا اختلفت الحالة ما بين ما كان يحدث من معارك وصراعات وانشقاقات بين الأشقاء على مواقع التواصل الاجتماعى بينما الواقع على الأرض مختلف بالكلية؟الإجابة بوضوح، أن مواقع التواصل الاجتماعى لا تعمل باعتبارها وسائل محايدة لنقل المعلومات، وإنما تعتمد خوارزميات مصممة لزيادة مدة بقاء المستخدم داخل التطبيق، ولتحقيق ذلك لا بد من اللجوء لمحتوى يثير الغضب والمعارك والخوف والاستفزاز والانقسام، لأن كل الدراسات الأكاديمية فى علوم الاتصال والإعلام الرقمى تؤكد أن المحتوى الانفعالى ينتشر بوتيرة أسرع بكثير من المحتوى الهادئ المتزن والإيجابى؛ لذلك فإن السوشيال ميديا لا تكافئ الحقيقة، وإنما تكافئ التفاعل، ولا يهم بعد ذلك إن كان المحتوى دقيقا أو مضللا، عقلانيا أو شعبويا، موثقا أو مفبركا، طالما قادرا على تحقيق المزيد من الإعجاب والتعليق والمشاركة!يكفى أن ينجح عدد محدود من الحسابات فى دفع تريند أو هاشتاج إلى قوائم الأكثر تداولا، حتى يظن ملايين المستخدمين أن هذا هو الرأى العام الحقيقى، بينما قد يكون الأمر مجرد نشاط مكثف لحسابات منظمة، أو لكتائب إلكترونية، أو حتى لخوارزمية فضلت محتوى معينا لأنه أكثر إثارة؛ ومن ثم صارت السوشيال ميديا، الخطر الأكبر القادر على تزييف الوعى، وخلق حالة من الانشقاق وتأجيج الأوضاع.
هذه الظاهرة، حذر منها عدد كبير للغاية من الباحثين فى الإعلام والسياسة، ومن بينهم الباحثة الأمريكية، كاثلين هول جاميسون، التى أوضحت أن البيئة الرقمية الحديثة لم تعد مجرد وسيط لنقل المعلومات، وإنما صارت فاعلا رئيسيا فى إعادة تشكيل الإدراك الجماعى، كما يذهب الفيلسوف الكورى، بيونج تشول هان، إلى أن المجتمع الرقمى يحول الإنسان تدريجيا إلى كائن يعيش داخل فيض دائم من المعلومات والانفعالات، بما يجعله أكثر قابلية للتوجيه والاستقطاب.
وإذا كان المنتخب المصرى قد حقق نتائج رائعة فى مونديال أمريكا، لكن يتبقى الإنجاز المهم أنه كشف حقيقة أخطر سلاح فى هذا العصر، الخوارزميات، وأن الضجيج الإلكترونى الذى كان يوحى بأن الجميع يهاجم ويشتبك، وأن الجميع يكره ويحقد، وأن الجميع منقسم، بعيد كل البعد عن الواقع على الأرض، وحالة الفرحة الصادقة العارمة فى الشارع العربى، كانت أقوى من سلاح الخوارزميات، وأثبتت أن الروابط التاريخية والثقافية والدينية والإنسانية بين الشعوب العربية لم تصنعها منصة رقمية، ولن تتمكن خوارزمية من محوها أو استبدالها؛ وهذا ما يجعل الضجيج الرقمى مهما بدا صاخبا، أقل رسوخا من الوعى الجمعى الذى تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل الحضارى والإنسانى.
نعم، أخطر ما كشفته تجربة منتخب مصر فى كأس العالم، هى القدرة على معرفة الرأى العام المصنوع، والاتجاه الشعبى الطبيعى، فليست كل عاصفة إلكترونية تعبر عن المجتمع، وليست كل هاشتاج أو تريند، مرآة عاكسة للرأى العام، كما أن الأكثر ظهورا ليس دائما الأكثر عددا، والأعلى صوتا ليس بالضرورة أكثر تمثيلا.
الالتفاف العظيم من كل الأشقاء حول المنتخب المصرى، كشف بوضوح زيف مواقع التواصل الاجتماعى، وأن الواقع الحقيقى على الأرض مختلف بالكلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك