العربية نت - حَكَمة تكشف حقيقة "فار"جنتين العربية نت - فيديو.. ولي عهد النرويج يقود "تجديف" اللاعبين أمام القصر الملكي وكالة شينخوا الصينية - الحكومة المصرية تؤكد أن مصنع "إيليت سولار" نموذج رائد للاستثمارات الصناعية المتقدمة العربية نت - "كاحل" مبابي يغيبه عن جزء من تدريبات فرنسا قبل قمة إسبانيا الجزيرة نت - الستة الأكثر حظا للفوز بترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة عام 2028 وكالة شينخوا الصينية - الصين وروسيا تختتمان مناورات بحرية مشتركة العربي الجديد - العودة إلى قانا... لبنانيون يتحدون الخوف والدمار بالبقاء والترميم العربي الجديد - تونسيون يعانون من العطش على تخوم السدود قناة العالم الإيرانية - روسيا تتوعد أوكرانيا بضربات أقوى وتحذر من تحالف باريس قناة التليفزيون العربي - حكم غيابي في السودان بإعدام قائد قوات الدعم السريع و15 آخرين في واقعة مقتل والي غرب دارفور
عامة

المركزية الغربية.. أوهام الثقافة والسياسة الصلبة

القدس العربي
القدس العربي منذ ساعتين
3

يظل حديث المركزية الغربية محطَّ جدال واختلاف، ليس بوصفه رمزا للقوة، أو العنف، بل لأنه ارتبط بما سمّاه هابرماس بهيمنة «العقل الأداتي»، وهو ترميز لسلطة المعامل والصناعة ولشراهة البورجوازية في السيطرة، و...

يظل حديث المركزية الغربية محطَّ جدال واختلاف، ليس بوصفه رمزا للقوة، أو العنف، بل لأنه ارتبط بما سمّاه هابرماس بهيمنة «العقل الأداتي»، وهو ترميز لسلطة المعامل والصناعة ولشراهة البورجوازية في السيطرة، وصولا إلى سلطة «الاستعمار» و»الليبرالية الجديدة»، وإلى مركزيات الأسواق والبنوك والشركات العابرة للقارات.

الاختناق بـ»المداخن الصناعية» ارتبط أيضا بالاختناق داخل أزمات وجودية، وبسلسلة من الهيمنات التي جعلت من التفوق الصناعي والعلمي رمزا لمركزية مرعبة لثقافات تمركزت حول التعالي، وحول قوة المؤسسة الاقتصادية والعسكرية، لكن تمركزها الأشد عنفا كان حول ما كرسته «الفلسفة الغربية» من مفاهيم ومن أدوات، جعلت من العقل الأداتي، قرينا بفعل «التفكير» و»العقل المحض» لديكارت وكانط، وبـ»مثالية» هيغل ورهاناته الثقافية على تمثيل عقدة البطل الغربي، أو «الإنسان الأخير»، بتوصيف الهيغلي المعاصر فرانسيس فوكوياما، بوصفه الإنسان الموهوم بأدلجة «نهاية التاريخ» وسلطة المدينة البورجوازية، الذي يستعيد من خلاله أنموذج المواطن الأفلاطوني في «مدينته الفاضلة» بوصفه المواطن المتعالي، المواطن الفلسفي، مقابل وجود «إنسان آخر» يعيش الهامش، ودونية التابع الذي يخضع إلى توصيف طبقي وعنصري، مثلما يحمل معه تشفيرات أنثروبولوجية متعددة، دفعت البعض إلى إعادة تمثيلها عبر ثنائية الصراع بين «التابع والمتبوع» و»العبد والسيد» و»الشيخ والمريد».

الحديث عن تفكيك المركزية الغربية ليس سهلا، لأنه لا يعني حديثا مجردا عن تفكيك «الميتافيزيقيا» فحسب، بل يعني تفكيكا للخطاب والقوة، ولنظامٍ معقد له سلطة ومؤسسة وعقل وتأطيرات اجتماعية وطبقية، فضلا عمّا يعنيه من تقويضٍ لمفهوم البطل و»الإنسان الأخير» الذي جعل من العقل الأداتي، عقلا مسلحا، وبنكيا، وطبقيا في تمثيل قوته عبر المصنع والآلة، ونظام الإنتاج وفائض القيمة، والمدينة والكنيسة والطبقة والبنك، والمعسكر والمختبر، وهو ما عبّر عنه الغرب المركزي في تعّقد أنظمته السياسية، وصراعاته الداخلية، وحروبه التي امتدت منذ القرن السابع عشر إلى نهاية الحرب العالمية الثانية 1945.

وإلى ما بعدهما من حرب باردة تكرست عبر الأيديولوجيا والاستهلاك والسوق الرأسمالي وحرب النجوم وسينما هوليوود وغيرها.

تمثيل العقل الأداتي في هذه الحروب ليس رهينا مجردا بمفهوم الفرجة ولا بـ»العلم والتقنية» بالمفهوم الغربي، بل بطبيعة تداعياته وصراعاته، واقترانها بأحداث مريعة، لعبت «المركزية الغربية» أدوارا خطيرة في صناعتها، عبر حروب تبشيرية، وإمبريالية، أو عنصرية، في حرب الأفيون الإنكليزية على الصين، وفي دورها العنصري بتأسيس الكيان الصهيوني عام 1948، وكذلك في عام 1956 مع العدوان الثلاثي على مصر، ومع الحروب الفرنسية والأمريكية على فيتنام في الخمسينات والستينيات من القرن الماضي، فضلا عن دعم الكيان في حرب 1967 ضد العرب، واحتلال بيروت 1982 وصولا إلى حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول عبر دعم الكيان في حربه على غزة وبيروت وإيران وسوريا واليمن.

الحديث الذي طرحه ليفي شتراوس عن «النسبية الثقافية» يصطدم بتاريخ تلك المركزية الغربية، وبعلاقة المعرفة التي تُنتجها بالسلطة وبراديغمات الهيمنة، فضلا عن تمثلها لهوية التعالي والعنف الأنثروبولوجي، ولعلاقته الفارقة بتمثيل مركزية الحضارة، وبالقوى التي تتحكم فيها، على مستوى السياسات الكبرى، والعنف الدولي، رغم أن ليفي شتراوس وجد في «انثروبولوجيته البنيوية» مشتركات متعددة، تخص البنى المؤسسة، وأنظمة القرابة والأساطير، لأن هذه البنيوية اعتمدت وجود فاعلية تلك البني في نظم الحياة والطقوس التي تمارسها الأقوام البدائية، لكن ذلك لا يعني أنسنة المفاهيم، ولا اعترافا بالآخر، ولا حتى قبولا ناجزا بأن البنى المؤسسة للعقل الطوطمي تتشابه مع البنى المؤسسة في تمثيلات العقل المعاصر، فبقطع النظر عن المجال الإبستمولوجي، الذي كان يعمل به شتراوس، إلا أن ذلك كان جزءا من سياق «مختبري» وليس من موقف عملياتي/ أكاديمي «يقرّ بأن الحضارة الغربية لا تملك احتكاراً للمعنى أو الحقيقة، وأن التفات بعض علمائها نحو مجتمعات صُنفت طويلاً في خانة «البدائية»، يعني اعترافا بأنها تحمل خصائص فريدة في تنظيم حياة الإنسان» كما يقول شتراوس.

مركزية الغرب وحديث التابعتجريد العلم من مركزيته الغربية لا يمكن استعماله في توصيف القطائع المعرفية، وفي إجراءات الدرس العلمي، وحتى مقاربة تمثيله في الأنساق الثقافية، بل إنه ظل عقلا أداتيا، وأنه في حالة اصطدام دائم، حاملا معه أسئلة المركزية، وأقنتعها وإجراءاتها، وممارساتها الثقافية والسياسية وحتى الأكاديمية، في التعاطي مع وظيفة «الأنثروبولوجيا» ذاتها، حيث مختبرات الدراسات الثقافية، وحيث الدراسات الاستشراقية وما بعد البنيوية وما بعد الحداثة والنسوية وغيرها، وحتى دراسات ليفي شتراوس عن البنيوية الأنثروبولوجية لـ»الأقوام البدائية»، لم تدخل في سياق البراءة، رغم علميتها الظاهرة، لأن شتراوس ظل مثقفا مختبريا، ودارسا ثقافيا وبنيويا عتيدا ينطلق من مركزية البنى المؤسسة للعقل الغربي، ولمؤسساته العلمية والأكاديمية.

كذلك سقطت بعض المرجعيات اليسارية الذرائعية في تسويغ هذه الدراسات، لأنها ظلت تحافظ على مسافة «حضارية» تنطلق من فكرة التحيز الثقافي لمركزية الغرب ولأنساقه الحاكمة، ولمظاهر تمثيل القوة والتعالي في سياقهما المعرفي، أو الحضاري، أو بالسرديات التي تحفظ جوهرانية العقل الغربي، لاسيما في إطار الحديث عن صراع السرديات بين الغرب والشرق، أو بين الغرب الثقافي والشرق السحري، وعلى نحوٍ يتمثله هذا الحديث بوصفه مجالا لتوصيف الهوية الثقافية، التي ظل جزءٌ كبيرٌ منها خاضعا إلى إطارية التحيز الذي طرحه كبلنغ حول الشرق المسيحي/ العنصر، الذي لا يلتقي مع الغرب، وغير القادر على تبني سياسات فاعلة في تمثيل إنسانية الحضارة القائمة على «التذويب» والتواصل، والنظر إلى التاريخ، بوصفه انقطاعات معرفية، وليس انقطاعات بايولوجية، تكرست معها مظاهر للعرق المتعالي، والشعب المختار، والهوية القاتلة، والأمة الخالدة، وصولا إلى تمثيل الفاشيات القومية، وغيرها من التوصيفات ذات المرجعيات العصابية.

المؤسسات والعنف الثقافي- الأيديولوجيأنموذج العنف الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية وفي لبنان، هو جزء من ظاهرة المركزية الغربية، لأنه يمثل نظامها وخطابها العنصري، مثلما يمثل مختبرها، ودرسها، ومنبرها في التعاطي مع الآخر المختلف، والعدائي والسحري/ الشرقي، بوصفه جزءا من جماعة «الأغيار» كما تُسميهم السردية الإسرائيلية، التي بدأت تتحول إلى «حرب ثقافية» مفتوحة، استغرقتها طروحات كثيرة، بدءا من الهيغيلية التي كرست ثنائية «السيد والعبد» والكولونيانية التي كرست ثنائية «التابع والمتبوع»، مثلما ارتبطت بإطروحات ثقافية لعدد من المستشرقين، الذين حولوا تمثيلات الثقافة والهوية واللغة والدين، إلى مجالات معقدة للأنثروبولوجيا، وللعنف الثقافي والديني.

أطروحات برنادرد لويس وصاموئيل هنتنغتون وفرانسس فوكوياما وبرنارد ليفي، بدت وكأنها تمثيلات للاستعمار الثقافي، وتأطير العلاقة مع الآخر من تابعيته الحضارية، وسقوطه في فخاخ زمنية لها مظاهر الاستبداد والتطرف والكراهية والعنف الأيديولوجي والديني والثقافي، وهو ما يجعل الحديث عن الهويات الثقافية أكثر تعالقا بتمثيل الهجنة وتناقضاتها، وما تفرزه من مظاهر وسرديات تقوم على تعقيدات إبستمولوجية وهوياتية، وعلى هيمنات أكدها أيرفينج، بتوصيف «الطباق الاستعماري»، وأكدها نقديا ثيودور أدرنو، وكذلك أوردها إدوارد سعيد في كتابه «الثقافة والامبريالية» كسياق مناقض وفاضح للمفهوم الاستعماري الغربي، القائم على تطهير عنصري، وعلى تهميش سياسي، وكذلك على عزل تاريخي وثقافي، تؤطره تسمية «التابع» في عزلته الحضارية، وفي خضوعه إلى مركزيات متعددة، الغرب والاستعمار والنظام الدولي والبنوك الكبرى ومجلس الأمن وغيرها.

في كتاب «فكرة الغرب: الثقافة والسياسة والتاريخ»، للكاتب الأسير بونيت الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن سلسلة ترجمان، بترجمة أحمد مغربي، يتبدى مفهوم الغرب بوصفه مجالا ثقافيا، يتجاوز الجغرافيا، ليبدو هو الأقرب إلى الأيديولوجيا، أو إلى الهيمنة التي صنعتها عوامل تاريخية واقتصادية وسياسية وثقافية، انشطرت عنها صورة مضادة للشرق، بوصفه النقيض، أو العدو، أو العالق بأساطير وحكايات بائدة، جعلت من فكرة الغرب، أو من مفهومه بناء ثقافيا متعاليا، ومن مؤسساته وتاريخه التنويري والإصلاحي والحداثي، رهانا على شيوع مفهوم «الحضارة» بالمعنى ذاته الذي طرحه هيغل على التعالي، وعن «نهاية التاريخ» من خلال الوصول إلى ما يمكن تسميته بالنظام السعيد، أو التمثيل الأيديولوجي الذي يبرر الهيمنة كما يقول المؤلف.

إن الحديث عن ارتباط صعود الغرب بتراجع الآخر، وبتمثيل هيمنة الأبيض، والمركز الأوروبي، يحتاج إلى مراجعة نقدية، وإلى أسانيد تسوّغ موضوع التفوق، بمعناه الإنساني وليس بمعناه التبشيري والاستعماري، فالتفوق الغربي ارتبط بذاكرة عدائية، وتاريخ مبتذل من العنف والطرد، بدءا من الاحتلال الفرنسي للجزائر، والاحتلال الإيطالي لليبيا، والاحتلال الإنكليزي للعراق وفلسطين، وليس انتهاء بصناعة «التابع السياسي» عبر أنظمة حكم مستبدة، ومجتمعات متخلفة، وسياسات تمزج بين الميثولوجيا والعسكرة والرئيس العرّاب، وعلى نحو جعل من مفهوم الغرب ينطوي على إشكالات معقدة، وعلى مرجعيات يعني القبول بها خضوعا للهيمنة والمركزية، واشتباكا ثقافيا معقدا، ليس بعيدا عن الأيديولوجيا والدين وعن السيادة، وعن ما يتعلق بها من تمثيلات مفهومية للدولة والأمة والهوية والجماعة والثروة والعلاقة مع الآخر، وحتى بالصورة النمطية للغرب الثقافي، وللإجراءات التي اعتمدتها الدراسات الثقافية في الدرس الأكاديمي وفي النقد، وفي إخضاعه إلى تسميات، لم يتم الاتفاق عليها منهجيا، مثل «سرديات ما بعد الكولونيالية» و»سرديات التابع يتكلم» التي تبدو وكأنها مصطلحات هي أقرب للتطهير النقدي، وليس للتأطير المفهومي.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك