في زمن لم تكن فيه الشواطئ تُقاس بـ" النجوم"، بل بـ" اللمة" التي تضيء النجوم، كان لمصيف زمان طعم آخر، طعم يذوب في الفم كغزل البنات، وينساب في الوجدان كأمواج البحر الهادئة.
لم يكن الصيف مجرد فصل في التقويم، بل كان فصلاً في كتاب العلاقات الإنسانية، حيث تُحزم الحقائب لا للهروب من حرارة الطقس، بل للارتماء في دفء العاطفة، وتجمع العائلات التي شتتها زحام العام، ليعيد البحر صياغة حكاياتها من جديد.
تبدأ الطقوس الساحرة مع إشراقة الشمس، حيث تتجلى معاني الحب في تفاصيل صغيرة تصنع بهجة كبيرة؛ فتجد الجدات والأمهات في حالة استنفار صباحي، يجهزن" المحشي" كأنه الوجبة الرسمية للشاطئ، يتحدين حرارة الجو بـ" حلة" تلف حولها القلوب قبل الأيادي.
وهناك على الرمال، تجد" اللمة" حول إفطار بسيط وغداء أبسط، لكنه شهي بضحكات الأهل، بينما يتربع" ترمس الشاي" على عرش الجلسة، يصب الدفء في الأكواب، ويوزع الأمان في النفوس، في مشهد يمنح الأسرة دفعة معنوية هائلة وطاقة حب تكفي لمواجهة عام كامل من المشاق.
أما البحر، فكان شاهداً على معارك مائية بريئة، تنتهي بنزول جماعي يغسل هموم القلوب قبل أجساد الأطفال، ومع غياب الشمس، تبدأ التجمعات الليلية والخروجات التي تصنع ذاكرة لا تصدأ؛ حيث تتنافس الدراجات الهوائية في الشوارع الجانبية، ويتحول" اللب" إلى الصديق الوفي للثرثرة على الأرصفة والمقاعد الخشبية.
وفي تلك الأيام، كان للسمع مذاق خاص، حيث ينساب صوت" الراديو" ممتزجاً بملوحة الجو، وتدور" شرايط الكاسيت" القديمة لتصدح بأغاني المصيف وصوت العندليب، محملة بنغمات ترتبط في الأذهان برائحة اليود ونسمات الليل.
ولم تكن المتعة تكتمل إلا بدخول سينما صيفية مكشوفة، أو بالالتفاف الحميم حول تلفاز صغير في شقة مصيفية بسيطة، لمشاهدة الأفلام المرتبطة بالصيف والمصيف، تلك التي خلدت ضحكاتنا وجعلت من شاطئ المعمورة أو رأس البر مسرحاً لأحلامنا.
لقد كان مصيف زمان رحلة استجمام للروح قبل الجسد، ومدرسة تُعلمنا أن المتعة الحقيقية لا تحتاج إلى رفاهية باهظة، بل إلى قلوب متآلفة، تتنفس الحب، وتصنع من البساطة ذكريات تدوم مدى الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك