احتضنت أوبرا الجزائر" بوعلام بسايح" أمسية فنية مصرية جزائرية خاصة، نظمتها سفارة جمهورية مصر العربية بالتعاون مع وزارة الثقافة والفنون الجزائرية، إحياءً للذكرى الستين لرحيل الموسيقار محمد فوزي، صاحب لحن النشيد الوطني الجزائري" قسمًا"، وتزامن الحفل مع احتفالات الجزائر بذكرى الاستقلال الرابعة والستين.
شهد الحفل حضور سفير جمهورية مصر العربية بالجزائر، السيد عبد اللطيف اللايح، إلى جانب عائلتي الفنان الراحل محمد فوزي والشاعر مفدي زكريا، حيث حظيتا بتكريم خاص من طرف وزيرة الثقافة والفنون الدكتورة مليكة بن دودة، في حضور المكلف بتسيير أوبرا الجزائر السيد مراد سنوسي، وعدد من قيادات الدولة وأعضاء السلك الدبلوماسي بالجزائر.
رحبت وزيرة الثقافة الجزائرية بالجميع، واستهلت كلمتها بترديد عبارة (وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر)، قائلة إنه من الجميل أن نلتقي ونؤكد وفاءنا للسابقين ذوي المنجز الإنساني والفني والإبداعي الأثير، والذين قدموا لنا دروسًا في نكران الذات والتفاني مع القضايا الصادقة.
وأضافت أنه من الجميل أن نبذل الجهد لشكر الغائبين عنا لنؤكد أن حضورهم فينا دائم، مؤكدة أن الجزائر هكذا أنشأتنا وهكذا ستواصل تنشئة الأبناء.
وأوضحت الوزيرة أن محمد فوزي أبان عن عبقرية نادرة في مجال الموسيقى، حيث انتقل من طقطوقة متقنة تهدهد الأطفال إلى ألحان آسرة موجّهة للكبار، ووصل إلى لحظة خالدة من خلال لحنه في نشيد (قسما).
وأشارت إلى أن تلك العبقرية تجلت في سخائه ودفاعه عن شرف تلحين هذا النشيد، وتسجيل هذا اللحن والإسراع بتقديمه كمساهمة نحو الجزائر الثائرة.
وتابعت قائلة إن فوزي جاء إثر نشيد مفدي زكريا الذي خطه بالدم ونفخت فيه الروح الثائرة، ليظل (قسما) يدور في الآفاق بإيقاع التحول والانعتاق الأبدي.
وأكدت أن الجزائر تحفظ الود لأصدقائها والذين وقفوا معها من كل دول العالم، مبينة أن بلادها عبرت عن وفائها في كثير من المواعيد، حيث تحمل الشوارع والمؤسسات والساحات أسماء المتضامنين والمسالمين والداعمين للجزائر الثائرة، وصنفتهم رموزًا للضمير الإنساني الحي.
واختتمت كلمتها بالتأكيد على أن محمد فوزي رحل عن دنيانا، ويبقى اسمه حيًّا في كل ساحة وقاعة وموكب يردد (قسما بالنازلات الماحقات).
من جانبه، اعتبر السفير المصري عبد اللطيف اللايح أن هذه الأمسية تحمل قيمة إنسانية وتاريخية كبيرة، موضحًا أن فكرة تنظيمها انطلقت من المكانة التي يحتلها محمد فوزي في الذاكرة الجزائرية، إلى جانب حضوره الراسخ في تاريخ الموسيقى المصرية.
وأضاف السفير أن تزامن الذكرى الستين لرحيل محمد فوزي مع احتفالات الجزائر بعيد الاستقلال منح المناسبة طابعًا استثنائيًا، معربًا عن تقديره لوزارة الثقافة والفنون الجزائرية لتبنيها المبادرة.
وأكد أن الأمسية تجسّد عمق العلاقات التاريخية بين مصر والجزائر، وتعكس المكانة التي يحتفظ بها الفن في توثيق الذاكرة المشتركة.
وفي السياق ذاته، أعرب المطرب وليد حيدر عن سعادته وفخره بالمشاركة في هذا الحدث، موضحًا أنه استعد له استعدادًا كبيرًا ومكثفًا منذ تواصل السفارة المصرية معه، حيث اعتبر هذه المشاركة تكليفًا وطنيًّا.
وأشار حيدر إلى أنه شارك مع المايسترو لطفي السعيدي في اختيار الأغاني التي قدمها للفنان محمد فوزي.
وفيما يخص أغنية" مليون شهيد"، أوضح حيدر أن الفضل في اكتشافها يعود إلى السفير عبد اللطيف اللايح الذي عثر عليها عبر منصة" يوتيوب"، وتمت كتابة النوتة الموسيقية الخاصة بها وأداها في الحفل لتلقى ترحابًا كبيرًا وتفاعلًا واسعًا من الجمهور، رغم اقتصار فترة التدريبات على يومين فقط.
من جهته، أعرب المايسترو الجزائري لطفي السعيدي عن شرفه الكبير بالمشاركة في قيادة هذا الحفل، مبديًا انبهاره بأداء الأستاذ وليد حيدر وتواضعه.
وأوضح السعيدي أنه كشاب جزائري يفتخر بقيادة البرنامج الموسيقي الذي تعرف عليه وتعمق فيه، مشيرًا إلى إدراكه لمدى عبقرية محمد فوزي كفنان سابق لزمانه بمجرد اطلاعه على مقطوعاته المتنوعة.
وأضاف المايسترو أن هذا التكريم يمثل شرفًا للجزائر، مذكرًا بمبادرة فوزي بتحمل مصاريف تسجيل النشيد الوطني الجزائري.
وأشاد السعيدي بالتعاون الفني المشترك، مثمنًا جهود السفير المصري في خلق تواصل مستمر بين دار أوبرا القاهرة ودار الأوبرا الجزائرية.
وقد أعرب الدكتور منير محمد فوزي، نجل الموسيقار الراحل، عن سعادته بتواجده في بلده الثاني الجزائر، مؤكدًا أن والده كان محبًّا للجزائر ولكفاح شعبها.
وأوضح أنه عندما سنحت الفرصة لوالده لتلحين النشيد الوطني الجزائري للشاعر الراحل مفدي زكريا، اعتبرها فرصة كبيرة جدًّا ليتمكن من مشاركة الشعب الجزائري بتقديم هذه الهدية.
وأشار الدكتور منير إلى أن تواجده الحالي يسبقه تاريخ من الزيارات العائلية للجزائر في مناسبات سابقة، مجددًا تأكيده على حرص والده على متابعة أحداث الثورة الجزائرية آنذاك، وقصة المليون ونصف المليون شهيد الذين اصطفاهم المولى عز وجل في تلك الأيام المباركة.
وبدوره، أعرب حفيد الشاعر مفدي زكريا عن شرفه الكبير بحضور هذا التشريف المخصص للملحن الكبير، ومقابلته لعائلة محمد فوزي.
ووصف حفيد الشاعر جده بالرمز الكبير، موضحًا أنه توفي قبل عام من مولده، وظل دائمًا الغائب الحاضر عبر القصص والروايات التي كان والده يرويها له، ومؤكدًا أن هذا التكريم يعبر عن أهمية هذه الرموز للدولة الجزائرية.
وأحيا الحفل الفنان المصري وليد حيدر بمشاركة نخبة من الفنانين الجزائريين، من أبرزهم الفنانة ندى الريحان، وكورال أوبرا الجزائر بقيادة الأستاذ زهير مازاري، وبمصاحبة أوركسترا أوبرا الجزائر بقيادة المايسترو لطفي السعيدي.
وافتتح الحفل بالنشيد الوطني" قسمًا"، وتضمن البرنامج مجموعة من أشهر أعمال محمد فوزي، حيث تفاعل الجمهور الذواق مع روائعه مثل" داري العيون داريها" و" طير بينا يا قلبي" و" حبيبي وعينيا".
وشهدت الأمسية تقديم الأغنية النادرة" مليون شهيد"، إحدى أقل أعمال محمد فوزي تداولًا وأكثرها ارتباطًا بالجزائر، وهي من كلمات الشاعر عبد الفتاح مصطفى، والتي غناها فوزي للمرة الأولى في القاهرة يوم 4 أبريل 1962 خلال احتفال بانتصار الثورة الجزائرية واقتراب إعلان الاستقلال.
وتستعيد كلمات الأغنية سنوات الكفاح وتضحيات الشعب الجزائري، وتقول في مفتتحها: " سبع سنين والحرب داير وشعب قضى العمر ثاير.
مليون شهيد كتبوا انتصارك يا جزاير".
كما تضمن الحفل أداء مجموعة من الأناشيد والأغاني الثورية من بينها" يا شهيد الوطن" لإبراهيم طوقان ومحمود أبو الوفا وتلحين الأمين بشيشي، ورائعة" من جبالنا طلع صوت الأحرار" لمحمد العيد آل خليفة وألحان محمد الهادي شريف، بالإضافة إلى" أيما اعزيزن أورتسرو" لفريد علي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك