رحم الله الوطن الإنسان.
باني نهضة قطر الحديثةرحل أميرنا الوالد بعد عمر ناهز أربعة وسبعين عامًا، كرَّسها في بناء قطر اليوم وقطر الغد.
فقد قاد، خلال ثمانية عشر عامًا، نهضةً نقلت الدولة إلى مصاف الدول المتقدمة، وفي سنوات قليلة رسّخ مكانتها كأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، ووجّه جانبًا من عوائد هذه الثروة إلى بناء ذراع استثمارية عالمية عززت نفوذ الدولة ورسخت حضورها وعلاقاتها الدولية.
كان سمو الأمير الوالد يؤمن بأن الأحلام الكبرى تُصنع بالإرادة، لذلك لم يكتفِ بإدارة الواقع، بل سعى إلى تغييره.
وفي المجال الإعلامي، أسس المؤسسة القطرية للإعلام بدلًا من وزارة الإعلام، في رؤية تعكس إيمانًا بمساحة حرة للعمل الإعلامي.
ثم جاءت قناة الجزيرة لتقدم نموذجًا عربيًا للإعلام الذي يفسح المجال للرأي والرأي الآخر، حتى أصبحت تجربة إعلامية يتردد صداها في مختلف أنحاء العالم.
ولم يكن مستغربًا أن يصفه كثيرون حول العالم بصاحب البصيرة والرؤية، وهو لقب استحقه بما حققه من إنجازات تجاوز أثرها حدود الوطن.
واليوم، نرى ثمار تلك الرؤية في تنوع وقوة المشهد الإعلامي القطري؛ فمن الجزيرة في الإعلام السياسي، إلى beIN SPORTS وقنوات الكأس في الإعلام الرياضي، وتلفزيون قطر وقنوات الريان في الإعلام الوطني، إلى جانب الإذاعات والصحف التي تسهم في بناء الوعي وتطوير العقول.
كما انعكست شخصيته القيادية، وما عُرف عنه من مبادرات ووساطات لحل النزاعات، على روح هذه المنصات، فأسهمت في ترسيخ السردية القطرية عالميًا.
ومن أبرز تلك المبادرات اتفاق طالبان والولايات المتحدة، وجهود السلام في دارفور، وإعادة إعمار لبنان، ودعم غزة، فضلًا عن كونه أول حاكم عربي يزور قطاع غزة.
ولم يقتصر أثر الأمير الوالد على ما شُيّد من مشاريع أو ما تحقق من إنجازات مادية، بل امتد إلى الإنسان نفسه.
فقد جعل من العلم أولوية، وشجع أجيالًا من الشباب على العودة إلى مقاعد الدراسة واستكمال مسيرتهم العلمية.
وما ينعم به القطريون اليوم من تقدم علمي ومادي هو ثمرة رؤية بعيدة المدى وضع أسسها الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
ولم تكن إنجازاته كغيرها من الإنجازات، بل اتسمت دائمًا بريادة المبادرة وشق الطريق.
فقد كان أول من رفع منارة مسجد في تلك المنطقة من الدنمارك، وأول حاكم عربي يدخل غزة، وأول قائد عربي يسلّم مقاليد الحكم طواعية، إيمانًا بالشباب وثقةً في قدرتهم على مواصلة المسيرة.
وقد غرست هذه الرؤية في المجتمع القطري قيم التميز والقيادة والعطاء.
وفي ختام هذا المقال، يستوقفني لقب “دفّان الفقر” الذي يُتداول كثيرًا في الحديث عن الأمير الوالد، وهو لقب لم يأتِ من فراغ.
فكم من دولة منكوبة امتدت إليها أياديه البيضاء بالإعمار والدعم، وكم من شعب أغاثه بعد توفيق الله سبحانه وتعالى.
لقد كان قائدًا آمن بأن التنمية لا تقتصر على بناء الحجر، بل تبدأ ببناء الإنسان، ولذلك سيبقى أثره حاضرًا في الوطن، وفي ذاكرة أبنائه، وفي كل من لامس خيره.
وستظل وصيته نبراسًا للأجيال حين قال: “أوصيكم بالثبات على الحق والاستقامة على الطريق مهما تبدلت الأيام والأحوال".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك