الأمير الوالد.
حين يبكي الوطن أباه• حين يرحل الآباء، لا تبكيهم أسرهم وحدها، بل تبكيهم البيوت التي اعتادت حضورهم، والزوايا التي شهدت مجالسهم، والأوطان التي صنعت معهم حكايتها.
• قبل أن يعلن الخبر، كان في القلب شيء لا يشبه سواه.
ضيق لا أعرف له سببا، وحزن يتسلل بصمت، وكأن الأرواح تستشعر الفقد قبل أن تدركه العيون.
امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بصورة سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وتعالت الدعوات من كل بيت ومن كل قلب، وفي كل صورة ومنشور.
يسأل الناس الله أن يمن عليه بالشفاء والعافية.
لم تكن تلك الدعوات مجرد كلمات، بل كانت تعبيرا صادقا عن محبة قائد لم يكن بالنسبة لشعبه أميرا فحسب، بل كان أبا حقيقيا لوطن بأكمله.
• ولم يكن القلب مخطئا فقد جاء الخبر الذي أثقل قطر كلها وأبكاها.
ورحل الأمير الوالد.
ورحل معه وجه وفي من وجوه قطر، وذاكرة من ذاكرة الوطن، وقلب ظل حاضرا في وجدان شعبه حتى آخر لحظة.
رحل سموه لكنه ترك وراءه وطنا مختلفا، وطنا أصبح اسمه حاضرا في العالم كله، لا بحجم مساحته، بل بحجم رؤيته، ولا بعدد سكانه، بل بما صنعه من أثر وإنجاز.
• هناك من يقود دولة، وهناك من يصنع تاريخها.
وكان الأمير الوالد واحدا من أولئك الرجال الذين لم يكتفوا بإدارة الحاضر، بل صنعوا المستقبل.
لم يكن يؤمن بأن تكون قطر نسخة من غيرها، بل أراد لها أن تكون مختلفة، مستقلة في قرارها، واثقة في نفسها، وصاحبة رسالة، وصاحبة حضور لا يمكن تجاوزه.
• آمن بأن الأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما بالرؤية والعمل، وأن الثروة الحقيقية ليست فيما تحت الأرض، وإنما فيما تحمله العقول فوقها.
لذلك لم تكن نهضته نهضة عمران فقط، بل نهضة إنسان.
• علمنا أن الجرأة في اتخاذ القرار ليست مخاطرة عندما يكون الهدف رفعة الوطن، وأن الدول لا تكبر باتساع أرضها، وإنما باتساع رؤيتها، وبقدرتها على الاستثمار في الإنسان.
• ولذلك لم يكن غريبا أن تتحول قطر، خلال سنوات قليلة، إلى اسم حاضر في السياسة، والدبلوماسية، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والإعلام، والرياضة، والعمل الإنساني.
• ومن بين أعظم ما تركه الأمير الوالد للأجيال إيمانه بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار.
لذلك لم تكن مؤسسة قطر، المدينة التعليمية، وجامعة حمد بن خليفة التي حملت اسم قائد آمن بأن العلم هو الطريق إلى المستقبل، وكانت تجسيدا لرؤية آمنت بأن مستقبل الأوطان يبدأ من التعليم، ومن البحث العلمي، ومن العقول القادرة على صناعة المعرفة.
• وأشعر اليوم بامتنان كبير لأنني كنت واحدة من أبناء هذا المشروع الوطني.
فقد كانت رحلتي العلمية، حتى الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة حمد بن خليفة، شاهدا على رؤية فتحت لأبناء قطر أبواب العلم، وأثبتت أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي يبقى أثره جيلا بعد جيل.
• وفي الإعلام، لم يكن الأمير الوالد يؤسس قناة فضائية فحسب، بل كان يؤسس مشروعا حضاريا سبق عصره.
فجاءت فكرة قناة الجزيرة لتقدم للعالم صوتا عربيا مستقلا، ورواية مختلفة، ومساحة أوسع للحوار والاختلاف، حتى أصبحت واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيرا في العالم.
ولم تكتف الجزيرة بتغيير المشهد الإعلامي العربي، بل جعلت اسم قطر حاضرا كل يوم في بيوت العالم، وفي غرف الأخبار، وفي الجامعات، وفي مراكز الدراسات، ورسخت مكانة الدولة.
ولأول مرة، لم يعد العالم يروي أخبار منطقتنا نيابة عنا، بل أصبح يستمع إلى رواية تخرج من قلب المنطقة نفسها.
بوصفها قوة ناعمة تؤمن بأن الكلمة الواعية لا تقل أثرا عن القرار الحكيم.
• وفي السياسة، اختار الأمير الوالد أن تكون قطر جسرا للحوار، وأن يكون السلام رسالة، وأن تمد يدها لكل من يبحث عن حل أو يقرب وجهات النظر، حتى أصبحت الدوحة عنوانا للدبلوماسية والوساطة، ومقصدا لكل من يؤمن بأن الحوار أقصر الطرق إلى الاستقرار.
لم يكن يصنع لقطر مكانا على خريطة العالم، بل كان يصنع لها مكانة في ضمير العالم.
• وكانت مواقفه الكبرى تنطلق من إيمانه بأن قوة الدول لا تقاس بما تملكه، بل بما تحمله من مبادئ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي بقيت حاضرة في وجدانه وفي مواقف دولة قطر.
ولذلك لم يكن دعم فلسطين وغزة موقفا موسميا، بل امتدادا لقناعة راسخة بأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن نصرة المظلوم مسؤولية لا تسقط بتغير الظروف.
• وفي الرياضة، لم تكن استضافة كأس العالم قطر 2022 مجرد بطولة عالمية، بل كانت رسالة حضارية قدمت للعالم صورة مشرقة عن قطر والعرب والمسلمين، وأثبتت أن الحلم عندما يقترن بالإرادة يتحول إلى إنجاز يبقى في ذاكرة التاريخ.
• ورغم كل هذه الإنجازات، بقي الأمير الوالد إنسانا قريبا من الناس.
تشرفت بلقائه أكثر من مرة، في معرض الدوحة الدولي للكتاب، وفي معرض الدوحة للمجوهرات والساعات.
وما زلت أتذكر ذلك اليوم في معرض الكتاب حين كنت أحدث نفسي: هل يجد الأمير الوالد وسمو الشيخة موزا بنت ناصر وقتا لزيارة معرض الكتاب؟ ولم تمض ساعات حتى رأيتهما أمامي في إحدى دور النشر.
وفي كل لقاء كان يبدأ بالسلام، ويسأل باهتمام، ويستمع بإنصات، ويتحدث بعفوية الأب قبل هيبة القائد.
لم تكن تلك اللقاءات بروتوكولا، بل كانت مواقف إنسانية بقيت راسخة في الذاكرة، لأن الهيبة يمنحها المنصب، أما المحبة فلا يصنعها إلا التواضع والصدق.
• لقد منح المواطن القطري شعورا بالفخر، وجعل اسم قطر يحمل مكانة واحتراما أينما ذكر.
لم يعلمنا أن نفتخر بوطننا لأنه غني، بل لأن له رسالة، وله رؤية، وله قائد آمن بأن المستحيل ليس إلا فكرة لم تجد من يؤمن بها بعد.
• واليوم، ونحن نودع سموه، ندرك أن الرجال العظماء لا يرحلون عندما تغيب أجسادهم، بل يبقون في الأثر الذي تركوه، وفي المؤسسات التي أسسوها، وفي الأجيال التي آمنوا بها، وفي كل طالب فتحت له أبواب العلم بفضل رؤية آمنت بأن المعرفة هي الثروة التي لا تنضب.
وفي كل باحث يكتب دراسة وبحثا ويخدم الإنسانية، وفي كل إعلامي يحمل رسالة، وفي كل دبلوماسي يسعى إلى السلام، وفي كل إنجاز يرفع اسم قطر بين الأمم.
وفي هذا المصاب الجلل، نتقدم بخالص العزاء وصادق المواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وإلى الأسرة الكريمة، وإلى الشعب القطري الكريم، سائلين الله عز وجل أن يتغمد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه عن قطر وأهلها خير الجزاء، وأن يحفظ وطننا ويديم عليه نعمة الأمن والاستقرار والعزة.
ليس كل القادة يتركون وراءهم مناصب، فبعضهم يتركون رؤية، وإنسانا، وأثرا يمتد عبر الأجيال.
رحم الله الأمير الوالد، وسيبقى وفاء القطريين له جزءا من وفائهم لوطن أحبوه كما أحبه، ووطن سيظل شاهدا على أن الرجال العظماء لا يرحلون ما دامت أعمالهم تنبض في حياة الناس، وما دام التاريخ يروي للأجيال قصة قائد آمن بقطر فآمنت قطر بحلمه، وإنا لله وانا إليه راجعون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك