تقدم حديقة بوتانيسك (Botanisk Have) مدينة آرهوس (Aarhus) الدنماركية لزوارها تجربة تنزه مختلفة، ويعتبر كثيرون أنها ليست مجرد متنزه، بل فضاء عام يوفر رحلة مصغرة حول العالم خلال بضع ساعات من المشي في الهواء الطلق، إذ تجمع أربع مناطق مناخية، من حرارة الصحراء إلى رطوبة الغابات الاستوائية، ومن بساتين البحر المتوسط إلى النباتات الإسكندنافية.
والحديقة الواقعة بجوار متحف" المدينة القديمة" واحدة من أبرز الوجهات في آرهوس، إذ تجمع الاستجمام والتعليم والترفيه في آن، وتضم المساحة الخضراء المفتوحة متحفاً حياً يضم أكثر من 2500 نوع من النباتات من مختلف قارات العالم، ما يجعلها قبلة للعائلات والسياح وطلاب المدارس ومحبي الطبيعة، وتكمن خصوصيتها في أنها تقدم تجربة تعليمية غير مباشرة؛ فكل نبات يحمل بطاقة تعريفية تشير إلى اسمه وأصله وبيئته، ليشعر الزائر أنه في درس حي عن التنوع البيولوجيمن دون أن يغادر وسط المدينة.
تبدأ الرحلة داخل البيوت الزجاجية التي تعيد تشكيل مناخات الأرض بدقة، إذ تنتشر في منطقة البحر المتوسط أشجار الزيتون واللوز والتين والرمان وأنواع الحمضيات وعرائش العنب ضمن أجواء دافئة تحاكي مناطق ضفتي المتوسط، مع روائح تذكّر بحدائق إيطاليا وإسبانيا وحدائق الشرق الأوسط.
ثم يتغير المشهد تدريجياً نحو بيئة أكثر قسوة، حيث نباتات الصحراء، ومن بينها الصبار بأنواعه، قبل أن تنفتح القاعة التالية على عالم الغابات الاستوائية، حيث ترتفع درجات الحرارة ودرجات الرطوبة، وتتحول الإضاءة والأصوات إلى تجربة حسية شبه واقعية، مع مؤثرات صوتية للطيور وحفيف الأشجار، ورذاذ ماء صناعي يحاكي المطر الاستوائي.
وتجعل هذه الرحلة المناخية المصغرة الزائر ينتقل من بيئة إلى أخرى، وكأنه يعبر القارات من دون ركوب طائرة، وبلا جواز سفر، في تجربة نادرة داخل مدن شمال أوروبا الباردة.
ويمنح هذا التنوع الجغرافي الحديقة طابعاً أقرب إلى مشهد طبيعي مفتوح أكثر من كونها متنزهاً تقليدياً.
وتضم الحديقة أقساماً نباتية متخصصة، مثل حدائق الورود، والنباتات الطبية، والنباتات المتسلقة، وغابة الزان، والأحواض الصخرية، ومجموعات الرودودندرون، وهي أقسام تتنوع فيها النباتات وفق بيئات دقيقة ومدروسة، ويشرف على بعضها متطوعون من جمعية" أصدقاء الحديقة النباتية".
تنتشر في أرجاء الحديقة المقاعد الخشبية والطاولات ومناطق الشواء، إضافة إلى مساحات مخصصة لألعاب الأطفال، ومسارات للجري والمشي، ما يجعلها واحدة من أكثر الأماكن استخداماً من قبل سكان آرهوس على مدار العام.
في الصيف تتحول إلى مكان للنزهات العائلية، وفي الشتاء تتحول إلى مساحة بيضاء تُستخدم أحياناً للتزلج على الثلج، في تقليد محلي قديم.
يعود تاريخ إنشاء الحديقة إلى عام 1873، حين استأجرت جمعية البستنة في شبه جزيرة جوتلاند (Jutland) الأرض من بلدية آرهوس لإنشاء مشتل نباتي، ومع مرور الزمن، تطور المكان من مشروع زراعي إلى حديقة عامة، ثم إلى مؤسسة علمية وترفيهية مفتوحة للجمهور بالمجان.
في عام 1970 أنشئت البيوت الزجاجية الشهيرة التي صممها المعماري الدنماركي سي في موللر، لتصبح لاحقاً أحد أبرز معالم العمارة النباتية في الدنمارك.
وخلال الفترة بين 2011 و2014 خضعت الحديقة لتطوير شامل أضيف خلاله بيت استوائي حديث، وجرى تحويل البيت القديم إلى مقهى وقاعات معارض وأنشطة ثقافية.
ورغم أن الحديقة ليست مركزاً بحثياً بالمعنى الأكاديمي التقليدي، فإنها تلعب دوراً مهماً في نشر الوعي البيئي، إذ تُدار بالتعاون بين جامعة آرهوس ومتحف ستينو، وتستقبل الزوار في تجربة تجمع بين العلم والمتعة، كما ترتبط بشبكة عالمية من الحدائق النباتية، تعمل على تبادل الأنواع، وحماية التنوع البيولوجي، ما يمنحها بعداً دولياً يتجاوز كونها مجرد مساحة محلية للترفيه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك