يوظّف الكاتب الأوكراني أندري كوركوف السخرية والغرائبية للكشف عن تناقضات الواقع ضمن تقليد أدبي معروف في شرق أوروبا، لكن يضعه في سياق معاصر حيث تتحول المفارقة إلى وسيلة لقراءة مجتمع يعيش بين تركة الاتحاد السوفييتي الثقيلة وضغوط الحرب وبناء الدولة، بين التوجه المحافظ المرتبط بروسيا والتوجه الليبرالي الموالي لأوروبا.
وكانت مؤسسة أورويل قد منحت جائزتها الخاصة منذ أيام لكوركوف تقديراً لمجمل أعماله الأدبية.
ويكتسب هذا التكريم أهمية خاصة، لأن المؤسسة البريطانية المعنية بالحفاظ على إرث الكاتب جورج أورويل وتعزيز الكتابة السياسية والأدبية المرتبطة بالدفاع عن الحقيقة والديمقراطية، لا تعلن عن هذه الجائزة سنوياً، فهي من الجوائز ذات الخصوصية، ولم تُمنح سوى ثماني مرات منذ استحداثها عام 1997.
بدأ اسم كوركوف يصل إلى القرّاء في العالم خلال تسعينيات القرن الماضي مع روايته" موت متطفل" (1996)، التي تُرجمت إلى العربية بعنوان" الموت والبطريق" (ترجمة محمد عثمان خليفة، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 2018)، وفيه كتَب حكاية عبثية عن مؤلفٍ يعيش مع بطريق أليف، قبل أن يجد نفسه داخل شبكة من الفساد والجريمة، لتتحول الحكاية إلى مدخل لمساءلة العزلة، وتشوه العلاقات الإنسانية في مجتمع أوكراني مضطرب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
تتحول السخرية إلى وسيلة لفهم العالم وليس مجرد أسلوب فنييفسر كوركوف طريقته في الكتابة باعتبارها انعكاساً لرؤيته الخاصة للعالم، فهو يتعامل مع الغرائبية أو ما يسمى الواقعية السحرية بوصفها تقنية للسرد، وأرضية تُشكل جزءاً من الواقع نفسه.
فقد نشأ، كما يقول، وهو يراقب مفارقات الحياة السوفييتية ويسخر من تناقضاتها، ثم اكتشف لاحقاً أن العبث ليس حكراً على نظام أو بلد بعينه، وإنما يرتبط باختلاف تصورات البشر لما هو" عادي" وما هو غير عادي.
ومن هنا تأتي كتابته القائمة على الحدود الفاصلة بين الواقعي والسوريالي، وبين المأساوي والكوميدي، حيث تتحول المفارقة والسخرية إلى وسيلة لفهم العالم وليس مجرد أسلوب فني.
وفي العام نفسه صدرت رواية" عزيزي صديق المرحوم"، التي واصل فيها كوركوف بناء عالمه الساخر عبر قصة رجل عادي يجد نفسه متورطاً في سلسلة من الأحداث المرتبطة بالاغتيال وانتحال الشخصيات، في واقع تختلط فيه الجريمة بالسياسة والعبث.
في رواية" الحرباء" (1997) تابع تطوير عالمه الروائي، حيث رصد قدرة الإنسان على التكيف مع التحولات القاسية في مرحلة ما بعد السوفييت، وفي عمله اللاحق" قانون الحلزون" (2002) قام بتوظيف الرمزية والخيال للتعبير عن بطء التغيير وثقل البيروقراطية والإرث السوفييتي.
أما" آخر حب للرئيس" (2004) فتقدم معالجة ساخرة لتداخل السلطة مع الحياة الخاصة، من خلال قصة تمزج السياسة بالغرائبية.
وفي" لبان الليل" (2007) ذهب كوركوف أبعد في بناء عالمه الحلمي، حيث تتداخل الذاكرة والواقع والعناصر غير المنطقية، بينما تعود رواية" جنان أوتشاكوف" (2010) إلى مدينة أوتشاكوف على البحر الأسود، عبر حكاية تستعيد تحولات المكان والهوية والذاكرة المحلية.
ومع تطور تجربته، انتقل كوركوف تدريجياً من تصوير عبث الحياة اليومية في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي إلى مساءلة التاريخ والصراعات التي شكلت أوكرانيا المعاصرة، وهو ما ظهر بوضوح في رواية" جيمي هندريكس حيّاً في لفيف" (2012)، التي تستعيد مدينة لفيف بوصفها فضاءً للذاكرة والتحولات الثقافية، ثم في" النحل الرمادي" (2018)، وترصد أثر الحرب في حياة إنسان عادي من خلال قصة مربي نحل يعيش في المنطقة الفاصلة بين القوات الأوكرانية والانفصاليين المدعومين من روسيا.
أما" العظمة الفضية" (2024) فتعود إلى التاريخ الأوكراني عبر رواية بوليسية تدور في كييف عام 1919، حيث يتقاطع التحقيق الجنائي مع التحولات السياسية العميقة.
ومع تفاقم الأوضاع في أوكرانيا وسّع كوركوف مشروعه ليشمل كتابة اليوميات السياسية، فكان شاهداً على التحولات التي عاشتها بلاده منذ" يوميات أوكرانيا" عام 2014، مروراً بـ" يوميات غزو" الذي دوّن فيه وقائع الأيام الأولى للهجوم الروسي، وصولاً إلى" حربنا اليومية" الذي يرصد تفاصيل الحياة تحت الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك