طرابلس- بعد أكثر من عام على بدء التحرك الأمريكي بشأن الأزمة الليبية، بدأت مواقف القوى السياسية والاجتماعية تتبلور بصورة أوضح تجاه المسار الذي يقوده مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، بين أطراف ترى فيه فرصة لتحريك الجمود السياسي، وأخرى تربط دعمه بضمانات وشروط محددة، فيما ترفض قوى التعاطي معه قبل إعلان تفاصيله في وثيقة رسمية.
وتسارعت وتيرة هذا الحراك خلال الأسابيع الأخيرة، مع جولة أجراها بولس في بنغازي وطرابلس ومصراتة والزنتان، شملت لقاءات مع مسؤولين عسكريين وأمنيين واقتصاديين، بالتزامن مع مشاورات في القاهرة مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ولقاء مع الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، في وقت لم تُنشر فيه حتى الآن أي وثيقة رسمية تتضمن تفاصيل المبادرة أو خارطة الطريق المقترحة.
يتصدر معسكر شرق ليبيا قائمة المؤيدين للمسار الأمريكي، بعدما أعلنت القيادة العامة دعمها له، وأيّد مجلس النواب المبادرة باعتبارها" فرصة لتحريك العملية السياسية"، كما انضم رئيس حزب الوطن عبد الحكيم بلحاج إليهم، داعيا إلى التعاطي الإيجابي معها، ومطالبا حكومة الوحدة الوطنية بإعلان موقف واضح وتحديد الضمانات اللازمة لإنجاحها.
وفي الجنوب، أعلن التجمع السياسي الوطني فزان دعمه لأي جهود دولية لإنهاء الأزمة، بما فيها التحرك الأمريكي، لكنه ربط هذا الدعم بشروط، أبرزها:وضع آلية واضحة لتجديد الشرعية عبر الانتخابات.
جدول زمني لإنهاء المرحلة الانتقالية.
ضمان مشاركة الإقليم في جميع مراحل العملية السياسية.
رفض أي ترتيبات تقوم على" قوى الأمر الواقع".
وقال الناطق باسم التجمع عمر عبد الدائم للجزيرة نت إن التجمع لا يزال يجري مشاورات مع مختلف الأطراف المحلية والدولية للتعريف برؤيته، مؤكدا أن نجاح أي تسوية يظل مرهونا بضمان" الشراكة العادلة والحقيقية" لإقليم فزان في صناعة القرار السياسي.
وأضاف أن التجمع" لم يدعم ولن يدعم مستقبلا أي مبادرة لا تضع فزان في موقع الشريك الفاعل"، معتبرا أن الولايات المتحدة وعددا من الدول باتت تدرك الأهمية الجيوإستراتيجية للإقليم، ودوره في أي تسوية سياسية مستقبلية.
ويأتي هذا الموقف بالتوازي مع استقبال رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي وفدا من التجمع السياسي الوطني فزان، الذي قدم رؤيته لتحقيق شراكة سياسية وتنموية عادلة للإقليم.
في المقابل، تبدي مدينة مصراتة تحفظا على المبادرة بصيغتها الحالية، مع التأكيد على الترحيب بأي جهد يقود إلى توافق وطني.
وقال رئيس مجلس حكماء وأعيان المدينة محمد الرجوبي في تصريح للجزيرة نت إن المجلس لم يتلق حتى الآن أي وثيقة مكتوبة تتضمن تفاصيلها، مشيرا إلى أن ما يجري تداوله لا يزال في إطار مشاورات واتصالات تهدف إلى بلورة تصور للحل السياسي، وليس مبادرة متكاملة يمكن الحكم عليها.
وأكد أن أي مبادرة لا تنص بوضوح على الاستفتاء على مشروع الدستور ثم إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، لا يمكن اعتبارها مدخلا لإنهاء الانقسام السياسي، مضيفا أن غياب رؤية مكتوبة يجعل من الصعب مناقشتها أو التوافق بشأنها، متسائلا: " إذا لم تكن هناك وثيقة واضحة، فما الذي سنناقشه، وعلى أي أساس سنتوافق؟ ".
ويعزز هذا الموقف ما كشفه المحلل السياسي فيصل الشريف في حديث للجزيرة نت إذ قال إن زيارة بولس إلى مصراتة" لم تكن إيجابية"، بعدما أبلغ من التقاهم بأنه لا يملك مبادرة أمريكية مكتوبة، في حين طالبه الحاضرون بعرض وثيقة تتضمن تفاصيل التصور المطروح.
وأضاف الشريف أن المجتمعين أبلغوا بولس رفضهم أي ترتيبات انتقالية تمنح مواقع سياسية أو عسكرية لشخصيات وردت أسماؤها في تقارير دولية تتعلق بانتهاكات أو بجرائم تهريب النفط، معتبرا أن هذه المواقف تعكس حجم التعقيدات التي تواجه المسار الأمريكي.
ورجح أن يواجه هذا المسار صعوبات متزايدة قد تدفع نحو تشكيل لجنة حوار جديدة بدلا من المضي في الصيغة المتداولة، مشيرا إلى أن واشنطن تركز حاليا على الملفات الاقتصادية، وفي مقدمتها توحيد الموازنة العامة، إلى جانب تهيئة بيئة مستقرة تسمح بتوسيع الاستثمارات الأمريكية في قطاع النفط.
ويتبنى المجلس الأعلى للدولة موقفاً أكثر تحفظا، إذ قال العضو محمد المعزب في تصريح للجزيرة نت إن المجلس لم يتلق أي مبادرة مكتوبة، وإن ما هو مطروح حتى الآن يقتصر على تصريحات إعلامية أدلى بها مسعد بولس، " الذي أقر بنفسه بعدم وجود مبادرة أمريكية مكتملة".
وأضاف أن المجلس يرفض أي تسويات تُطرح خارج الأطر المؤسسية، أو أي مخرجات تصدر عن لجان لتقاسم السلطة تتجاوز المؤسسات التشريعية، معتبرا أن أي محاولة لإحداث تغيير سياسي لا تراعي الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي والرأي العام الليبي" ستكون مآلها الفشل".
وبرأي المحلل السياسي وخبير العلاقات الدولية إلياس الباروني، فإن الجولة الأخيرة لبولس نقلت المبادرة من مرحلة استطلاع المواقف إلى مرحلة بناء مشروع سياسي، وإن كانت لم تصل بعد إلى التنفيذ.
وقال للجزيرة نت إن واشنطن انتقلت من سياسة إدارة الأزمة إلى محاولة" هندسة توازن سياسي جديد"، يقوم على إنتاج سلطة تنفيذية أكثر استقرارا، وبناء تفاهمات أمنية واقتصادية تسبق الاتفاق السياسي، انطلاقاً من قناعة بأن الاتفاقات السياسية وحدها لم تنجح في تحقيق الاستقرار.
وأضاف أن المبادرة لا تزال تفتقر إلى عنصرين أساسيين: توافق ليبي واسع، وضمانات حقيقية لتنفيذ أي اتفاق.
وفي تفسيره لخريطة المواقف، اعتبر المحلل الباروني أن مصراتة لم تعد تتحرك باعتبارها مدينة أو كتلة عسكرية فقط، بل أصبحت فاعلا وطنيا يسعى إلى حماية مصالحه داخل أي ترتيبات جديدة، فيما تحول إقليم فزان إلى مركز رئيسي في معادلة الأمن الإقليمي، بما يحمله من أهمية في ملفات الحدود والهجرة والموارد الطبيعية.
وأوضح أن تركيز بولس على لقاء المؤسسات الاقتصادية والأمنية أكثر من الأجسام السياسية التقليدية يعكس إدراكا أمريكيا بأن مراكز القوة الفعلية أصبحت خارج المؤسسات التي تراجعت شرعيتها خلال السنوات الماضية.
ويعتقد الباروني أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الاتفاق، وإنما في بناء توافق ليبي يمنحه شرعية التنفيذ، مؤكدا أن نجاح أي مبادرة لن يقاس بعدد الاجتماعات أو حجم الدعم الدولي، بل بقدرتها على الإجابة عن أسئلة تتعلق بضمان تنفيذ الاتفاق، وتوحيد المؤسسات، وتوزيع السلطة والثروة، ومعالجة مخاوف الأقاليم والقوى المحلية.
وبين دعم واضح في الشرق، ومساندة مشروطة في الجنوب، وتحفظات متزايدة في الغرب، تبدو خريطة المواقف الليبية تجاه المسار الأمريكي في طور التشكل، فيما يظل مستقبل المبادرة مرتبطا بقدرتها على تحويل هذه التفاهمات إلى توافق وطني يحظى بشرعية سياسية واجتماعية، في ظل استمرار غياب وثيقة رسمية تحدد ملامحها وآليات تنفيذها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك