شهدت نزاعات بطاقات الائتمان ارتفاعاً حاداً خلال السنوات الأخيرة، مع لجوء عدد متزايد من المستهلكين إلى طلب استرداد المدفوعات من البنوك، ليس فقط في حالات الاحتيال التقليدية، بل أيضاً عند الخلاف مع المتاجر أو عدم الرضا عن المنتجات والخدمات.
وأظهرت بيانات" Juniper Research" أن المستهلكين الأميركيين قدموا نحو 158 مليون" طلب استرداد" كنزاع على المعاملات المالية في 2025، بزيادة بلغت 29% مقارنة بعام 2021، متجاوزة بكثير وتيرة نمو استخدام البطاقات المصرفية.
وعلى المستوى العالمي، ارتفع عدد النزاعات بنسبة 46% خلال الفترة نفسها، مدفوعاً بالتوسع في المدفوعات الإلكترونية بعد الجائحة.
وعزا كبير محللي الأبحاث لدى" Juniper"، مايكل غرينوود، هذه القفزة إلى عاملين رئيسيين؛ أولهما تزايد ارتباك المستهلكين بشأن العمليات الظاهرة في كشوف حساباتهم الشهرية، وثانيهما تنامي ما يعرف بـ" الاحتيال الودي" أو Friendly Fraud، حيث يعترض بعض العملاء على معاملات صحيحة للحصول على أموالهم أو منتجاتهم مجدداً، وفقاً لما ذكرته" بلومبرغ"، واطلعت عليه" العربية Business".
واستخدمت طلبات استرداد المدفوعات تاريخياً لحماية المستهلكين من السرقة أو الاحتيال، مثل استخدام بطاقة مسروقة أو تعثر شركة قبل تقديم الخدمة المتفق عليها.
وفي هذه الحالات، يحقق مصدر البطاقة في الشكوى ويعيد المبلغ إذا ثبتت صحتها، ثم يسترد الأموال من البنك التابع للتاجر مع فرض رسوم وعقوبات إضافية عليه.
غير أن انتشار التجارة الإلكترونية غير قواعد اللعبة.
فالمعاملات التي تتم دون حضور البطاقة فعلياً، مثل التسوق عبر الإنترنت أو طلب خدمات النقل والتوصيل، أصبحت أكثر عرضة للنزاعات بسبب سهولة استخدام بيانات البطاقات المسروقة، كما زادت احتمالات الالتباس بشأن الجهة التي استقبلت الدفعة بعد مرورها عبر منصات ومزودي خدمات متعددين.
وساهمت نماذج الاشتراك الشهري في زيادة النزاعات أيضاً، بعدما أضافت شركات عديدة رسوم اشتراك متكررة إلى منتجات وخدمات كانت تباع سابقاً لمرة واحدة.
ورغم أن هذه الرسوم قد تكون قانونية، فإن كثيراً من المستهلكين يعتبرونها مضللة أو غير واضحة، فيلجأون مباشرة إلى البنك بدلاً من التواصل مع التاجر.
وامتدت الخلافات إلى تقييم جودة المنتجات والخدمات نفسها، إذ تختلف آراء المستهلكين حول ما إذا كانت السلعة أو الخدمة مطابقة للوصف.
ولهذا تسجل قطاعات مثل شركات الطيران والفنادق والمطاعم والصالونات معدلات مرتفعة من طلبات استرداد المدفوعات، رغم أن فرص نجاح هذه المطالبات تكون أقل نسبياً.
وكشفت منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً" تيك توك"، عن بعد جديد للظاهرة، حيث انتشرت مقاطع تشرح كيفية استخدام طلبات الاسترداد للحصول على منتجات مجانية أو تجاوز سياسات البيع النهائي أو تسريع عمليات رد الأموال.
ويصف خبراء هذا السلوك بـ" احتيال الطرف الأول"، أي الاعتراض على معاملة يعلم العميل مسبقاً أنها صحيحة.
وأدى تزايد هذه الممارسات إلى ضغوط كبيرة على المتاجر، ما دفع العديد منها إلى الاستعانة بشركات متخصصة لإدارة النزاعات والدفاع عن نفسها أمام مطالبات العملاء.
وبينما تستطيع الشركات الكبرى استيعاب الخسائر ضمن أسعارها، تمثل عمليات الاسترداد الاحتيالية تهديداً فعلياً لاستمرار العديد من التجار الصغار.
وربط خبراء أيضاً بين تضخم الظاهرة وتراجع الأوضاع المعيشية.
فارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط المالية، خصوصاً على الشباب وأصحاب الدخل المنخفض، زادا من استعداد بعض المستهلكين للمخاطرة، في وقت تتنامى فيه النظرة السلبية تجاه الشركات الكبرى التي تتهم بفرض رسوم مفاجئة وتشديد سياسات الإرجاع وتشجيع المشتريات الاندفاعية.
وبذلك أصبح" الاحتيال الودي" انعكاساً لتراجع الثقة بين المستهلكين وقطاع التجزئة بقدر ما هو قضية احتيال مالي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك