تواجه الهوية الثقافية والمتاحف في المكسيك ما يوصف بأنه أخطر منعطف في تاريخها الحديث، إثر صراع قضائي وتشريعي محموم يضع حركة شعبية من المؤرخين والفنانين في مواجهة كبرى المؤسسات المصرفية، وفقا لما نشره موقع theartnewspaper.
وتحولت" مجموعة جيلمان" الشهيرة، التي تضم 160 عملاً فنياً من أبرز روائع الفن المكسيكي في القرن العشرين، بما فيها 18 لوحة نادرة للفنانة العالمية فريدا كاهلو، إلى محور معركة قانونية كشفت عن وثائق مسربة تضمنت رهن آثار وطنية مقابل ملايين الدولارات، بالتزامن مع تحرك مفاجئ في المحكمة العليا قد يطيح بضوابط حماية الفنون التاريخية بالبلاد.
وجاء هذا الحراك بعد شهور من الجدل الذي أعقب إعلان مؤسسة" بنك سانتاندير" عن توقيع اتفاقية لإدارة وتداول المجموعة، إثر استحواذ عائلة" زامبرانو" المقيمة في مونتيري عليها من منفذ الوصية روبرت ليتمان.
مخاوف من تهريب" المعالم الفنية"رفعت رابطة من الفنانين والمثقفين دعوى قضائية ضد وزارة الثقافة المكسيكية والمعهد الوطني للفنون الجميلة والآداب (INBAL)، بهدف إلغاء اتفاقية التداول الموقعة في 7 يناير.
ويرى المحتجون أن الاتفاقية تنطوي على مخالفات جسيمة، إذ تمنح المجموعة مهلة خروج تمتد لخمس سنوات قابلة للتجديد، في حين أن القانون المكسيكي يشترط ألا تتجاوز تراخيص التصدير المؤقتة عامين فقط، مع ضرورة تقديم ضمانات مالية حازمة لضمان عودتها.
وفي هذا السياق صرّح خيسوس سوليداد تيرازاس، المحامي الممثل للمدعين، قائلاً: " باعتراف معهد (INBAL) نفسه، لا يوجد حالياً ترخيص تصدير قانوني، ولا ضمان مالي يكفل عودة الأعمال، كما لا يوجد أي أساس تشريعي لمهلة السنوات الخمس"، مؤكداً أن هذا العقد غير قانوني ويحل محل التراخيص التي يفرضها التشريع الوطني.
ويتركز الخلاف حول 30 عملاً فنياً لعمالقة الفن التشكيلي مثل دييغو ريفيرا، خوسيه كليمنتي أوروزكو، وماريا إزكويردو، وهي أعمال مصنفة رسمياً كـ" معالم فنية تاريخية" خاضعة للإشراف الحكومي الصارم رغم ملكيتها الخاصة.
وتأتي أعمال فريدا كاهلو في قلب هذه المعركة، إذ تحظر المراسيم الرئاسية الصادرة عام 1984 التصدير الدائم لأي من لوحاتها، وتسمح فقط بخروجها المؤقت للأغراض الثقافية وبشروط معقدة.
رهن مالى بـ 150 مليون دولار وصدمة قضائيةولم تتوقف اتهامات حركة" الدفاع عن مجموعة جيلمان" عند الثغرات الإجرائية، بل فجّرت مفاجأة من العيار الثقيل، حيث كشفت في بيان صحفي عن استخدام هذه الثروة الفنية الوطنية كـ" ضمان ورهن" للحصول على قرض شخصي ضخم بقيمة 150 مليون دولار لصالح أطراف خاصة.
وشددت الحركة على أنه" لا يمكن بأي حال من الأحوال تسخير الصلاحيات الدستورية الموكلة لحماية التراث القومي لخدمة مصالح مالية فئوية"، وفي أولى الجولات القضائية، تلقت الحركة المدافعة عن التراث صدمة أولى بعد أن رفضت المحكمة طلبهم المستعجل بفرض إجراء مؤقت لمنع سفر المجموعة وإبقائها داخل البلاد قبل بدء جولتها الدولية.
ورغم هذا الحكم، أكدت المحامية سوليداد تيرازاس أن هناك أحكاماً ودفوعاً قانونية أخرى لا تزال قيد الانتظار، مشددة على أن هيئة الدفاع ستطعن في القرار القضائية الأخير لمواصلة المعركة حتى النهاية.
زلزال المحكمة العليا: هل يُلغى حظر تصدير لوحات" كاهلو"؟وفي تطور دراماتيكي تزامن بشكل مثير للجدل مع الأزمة الراهنة، قررت المحكمة العليا المكسيكية النظر في مدى قانونية المرسوم الرئاسي الصادر عام 1984، والذي يحظر التصدير الدائم لأعمال فريدا كاهلو المملوكة ملكية خاصة.
وتسعى المحكمة من خلال هذه المراجعة إلى تحديد ما إذا كان المرسوم التنظيمي قد تجاوز صلاحيات السلطة التنفيذية، خاصة أن القانون الاتحادي لعام 1972 بشأن الآثار والمناطق الفنية والتاريخية يسمح أصلاً بتصدير المعالم الفنية ذات الملكية الخاصة.
وتعود جذور هذه القضية المنفصلة إلى دعوى رفعها بنك (Banco fiei por Más)، سعياً للحصول على ترخيص لتصدير لوحة كاهلو الشهيرة" صورة ذاتية مع ميدالية" (1948).
ويفتح هذا المسار القضائي الباب أمام تحولات جذرية قد تعصف بمصير كبرى المجموعات الفنية الخاصة في البلاد، وفي مقدمتها مجموعة جيلمان ومجموعة" دولوريس أولميدو" المعروضة في متحفها الذي أُعيد افتتاحه مؤخراً.
ويرى خبراء أن أي قرار يصدر لصالح إلغاء الحظر سيتسبب في زلزال مالي واقتصادي بسوق الفنون؛ نظراً لأن لوحات كاهلو تُباع داخل المكسيك بأسعار أقل بكثير من قيمتها الحقيقية في المزادات العالمية وخارج الحدود.
الندرة الحادة وشبهة التنسيق السياسيوتتضاعف المخاوف الوطنية في ظل الندرة الشديدة لأعمال الفنانة، إذ يشير الناشط الثقافي فرانسيسكو بيرزونزا إلى حقيقة صادمة قائلاً: " من بين 152 عملاً معروفاً لفريدا كاهلو حول العالم، لا تمتلك الحكومة المكسيكية في مجموعاتها الرسمية سوى سبع لوحات فقط".
وأكدت المحكمة العليا للعدل أن القضية تحظى بـ" أهمية وطنية قصوى"، نظراً لكونها توازن بين الحق في الثقافة والتراث بمواجهة حقوق الملكية الخاصة.
رد بنك سانتاندير والموقف الحكوميفي المقابل، سارع بنك" سانتاندير" لتهدئة الأزمة، حيث صرح متحدث باسم البنك لصحيفة" ذا آرت نيوزبيبر" قائلاً: " نحن ندرك حجم المخاوف المثارة، ونقدر تماماً أهمية هذا التراث البالغ الأهمية للمكسيك"، مؤكداً أن هدف البنك يقتصر على صيانة المجموعة وعرضها وإتاحتها للجمهور الدولي والمحلي بما يتوافق تماماً مع التشريعات المحلية.
وطمأن البنك الأوساط الثقافية بإعلانه أن المجموعة ستعود إلى المكسيك مجدداً في صيف عام 2028 لتعرض علناً أمام الجمهور بالتنسيق مع السلطات الرسمية، بعد جولة خارجية تبدأ من افتتاح متحف" فارو سانتاندير" الجديد بإسبانيا في 8 سبتمبر المقبل.
وفي حين التزمت السلطات الثقافية المكسيكية الصمت أمام طلبات التعليق الصحفية، إلا أنها أكدت في وقت سابق التزامها بضمان عودة المجموعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك