الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
تأسيس مدرسة الوساطة القطريةلم يكن صعود الدور القطري في الوساطة الدولية حدثا عابرا أو نتيجة ظرف سياسي مؤقت، بل جاء ثمرة رؤية متكاملة أعادت صياغة مكانة الدولة في النظامين الإقليمي والدولي.
فمنذ تولي الأمير الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مقاليد الحكم عام 1995، شرعت الدوحة في تنفيذ سياسة خارجية تقوم على توسيع هامش الحركة، وتجاوز القيود التقليدية التي كانت تحكم أدوار الدول الخليجية الصغيرة، مستفيدة من الاستقرار الداخلي، والقدرات الاقتصادية المتنامية، وشبكة العلاقات التي نسجتها مع أطراف متناقضة في المنطقة والعالم.
وخلال أقل من عقدين، تحولت قطر من دولة تعرف بثقلها الاقتصادي المرتبط بقطاع الطاقة إلى لاعب سياسي يحظى بحضور يتجاوز بكثير حجمها الجغرافي والديموغرافي.
ولم يكن هذا التحول قائما على القوة العسكرية أو النفوذ التقليدي، وإنما على توظيف الدبلوماسية والوساطة باعتبارهما إحدى أهم أدوات السياسة الخارجية، حتى أصبحت الدوحة محطة ثابتة في كثير من الأزمات التي استعصى حلها عبر القنوات التقليدية.
لقد أدركت القيادة القطرية مبكرا أن الشرق الأوسط يعيش حالة من التشظي السياسي والصراعات الممتدة، وأن القوى الكبرى باتت بحاجة إلى أطراف قادرة على التواصل مع جميع اللاعبين، بمن فيهم الخصوم الذين يصعب التواصل معهم بصورة مباشرة.
ومن هنا تبنت الدوحة سياسة تقوم على الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع أطراف متعارضة، فاحتفظت بشراكات إستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه أقامت قنوات اتصال مع حركات وقوى سياسية وإقليمية تختلف معها واشنطن أو بعض العواصم العربية.
وأصبحت هذه القدرة على الجمع بين المتناقضات لاحقا أحد أهم عناصر القوة الناعمة القطرية.
ولم يكن اختيار الوساطة مجرد نشاط دبلوماسي، بل أصبح ركيزة إستراتيجية تمنح قطر حضورا دائما في الملفات الإقليمية، وتوفر لها مساحة للتأثير في مسارات الأحداث.
فالوسيط الناجح لا يحتاج إلى فرض الحلول بقدر حاجته إلى امتلاك ثقة الأطراف المتنازعة، وهي معادلة عملت الدوحة على بنائها تدريجيا عبر الالتزام بالحوار، وتوفير بيئة تفاوضية محايدة نسبيا.
بعد النجاح اللبناني، اتجهت الدبلوماسية القطرية نحو السودان، حيث احتضنت الدوحة مفاوضات طويلة بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة في دارفوركانت اليمن أول اختبار حقيقي لهذه المقاربة، ففي خضم حروب صعدة بين الحكومة اليمنية والحوثيين، رعت قطر مفاوضات انتهت بتوقيع اتفاق الدوحة عام 2007.
ورغم أن الاتفاق لم ينجح في إنهاء النزاع بصورة نهائية بسبب تعقيدات المشهد اليمني وتشابك العوامل الداخلية والإقليمية، فإنه كشف عن استعداد الدوحة للدخول في ملفات شديدة الحساسية، كما منحها خبرة عملية في إدارة المفاوضات بين أطراف تخوض حربا مفتوحة.
غير أن المحطة التي كرست مكانة قطر الإقليمية جاءت في لبنان عام 2008.
ففي تلك المرحلة كان البلد يقف على حافة انفجار داخلي بعد أشهر من الانقسام السياسي.
وبينما أخفقت مبادرات عديدة في تقريب وجهات النظر، تمكنت الدوحة من جمع القوى اللبنانية المختلفة على طاولة واحدة، لتتوج المفاوضات باتفاق الدوحة في الحادي والعشرين من أيار/مايو 2008.
وقد أفضى الاتفاق إلى انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، واعتماد قانون انتخاب جديد، وهو ما أسهم في احتواء أزمة كانت تهدد بانزلاق لبنان إلى حرب أهلية جديدة.
ولم يكن نجاح الاتفاق مرتبطا ببنوده فقط، بل بما مثله من إثبات لقدرة قطر على إدارة واحدة من أكثر الأزمات العربية تعقيدا.
وبعد النجاح اللبناني، اتجهت الدبلوماسية القطرية نحو السودان، حيث احتضنت الدوحة مفاوضات طويلة بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة في دارفور.
وأسفرت تلك الجهود عن توقيع وثيقة الدوحة للسلام عام 2011، وهي الوثيقة التي حظيت بدعم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وأسهمت في تحريك العملية السياسية رغم عدم انضمام جميع الفصائل المسلحة إليها.
وقد عكست التجربة السودانية طبيعة الوساطة القطرية القائمة على النفس الطويل، إذ استغرقت المفاوضات سنوات قبل الوصول إلى اتفاق.
أما في أفغانستان، فقد بلغ الدور القطري مستوى غير مسبوق من الأهمية الدولية.
فمنذ افتتاح المكتب السياسي لحركة طالبان في الدوحة عام 2013، أصبحت العاصمة القطرية المنصة الوحيدة تقريبا التي جمعت الحركة بممثلي الولايات المتحدة بصورة مباشرة.
واستمرت المفاوضات سنوات إلى أن أبرم اتفاق الدوحة في فبراير/شباط 2020، الذي رسم الإطار السياسي لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان.
وبعد سيطرة طالبان على كابول عام 2021، لم ينته الدور القطري، بل ازداد أهمية مع مساهمة الدوحة في عمليات الإجلاء، وتأمين الاتصالات بين السلطات الجديدة والمجتمع الدولي، وإيصال المساعدات الإنسانية، وهو ما جعلها حلقة وصل رئيسية في أحد أكثر الملفات الدولية حساسية.
استطاعت قطر أن تبني سمعة تقوم على احترام سرية المفاوضات، والمرونة في إدارة الحوارات، وعدم السعي إلى فرض حلول جاهزة على الأطراف المتنازعةوخلال الحرب على غزة، برزت الوساطة القطرية مرة أخرى بوصفها عنصرا أساسيا في إدارة الأزمة.
فمنذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قادت قطر، بالتنسيق مع مصر، جهودا دبلوماسية معقدة شملت مفاوضات غير مباشرة بين إسرائيل وحركة حماس، وأسفرت عن التوصل إلى هدنة إنسانية في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، شهدت عمليات تبادل للأسرى وإدخال مساعدات إلى قطاع غزة.
ولم تتوقف الجهود عند ذلك الحد، بل استمرت خلال عامي 2024 و2025 في محاولة للتوصل إلى اتفاقات جديدة لوقف إطلاق النار، وتوسيع عمليات تبادل الأسرى، والتخفيف من الكارثة الإنسانية، رغم التعقيدات السياسية والعسكرية التي أحاطت بالمفاوضات.
كما امتدت الوساطات القطرية إلى ملفات أخرى أقل ظهورا إعلاميا، منها جهود تقريب وجهات النظر في لبنان خلال أزماته السياسية المتكررة، والمساهمة في مبادرات تتعلق بالسودان وتشاد، فضلا عن أدوار إنسانية في الإفراج عن رهائن وتبادل أسرى في عدد من بؤر النزاع.
كذلك لعبت الدوحة دورا في تسهيل التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران في قضايا إنسانية، كان أبرزها اتفاق تبادل السجناء عام 2023، وهو ما أكد مرة أخرى قدرتها على الحفاظ على خطوط اتصال مع أطراف يصعب جمعها في عاصمة واحدة.
وبرز الدور القطري مجددا خلال الوساطة بين إيران والولايات المتحدة عام 2026، حيث أسهمت الدوحة في الحفاظ على قنوات الاتصال بين الجانبين في مراحل اتسمت بتعثر المفاوضات وارتفاع منسوب التوتر، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الطرفين، وخبرتها الطويلة في إدارة المفاوضات المعقدة.
ويعود نجاح هذه السياسة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، فإلى جانب الإمكانات الاقتصادية التي وفرت هامشا واسعا للتحرك، استطاعت قطر أن تبني سمعة تقوم على احترام سرية المفاوضات، والمرونة في إدارة الحوارات، وعدم السعي إلى فرض حلول جاهزة على الأطراف المتنازعة.
كما أسهمت شبكة علاقاتها الدولية، الممتدة من واشنطن إلى العواصم الإقليمية المختلفة، في تعزيز الثقة بقدرتها على لعب دور الوسيط المقبول.
استطاعت قطر خلال العقدين الماضيين من حكم الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أن تحول الوساطة من أداة دبلوماسية إلى ركيزة أساسية في سياستها الخارجيةمع ذلك، لا يمكن القول إن جميع الوساطات القطرية انتهت إلى نجاحات كاملة أو تسويات نهائية، إذ إن طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط تجعل أي اتفاق عرضة للاهتزاز بفعل التحولات السياسية والعسكرية.
لكن نجاح الوسيط لا يقاس دائما بقدرته على إنهاء النزاعات بصورة نهائية، وإنما بقدرته على منع التصعيد، وفتح قنوات الحوار، وتهيئة الظروف أمام الحلول السياسية عندما تتوافر الإرادة لدى الأطراف المتنازعة.
استطاعت قطر خلال العقدين الماضيين من حكم الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أن تحول الوساطة من أداة دبلوماسية إلى ركيزة أساسية في سياستها الخارجية، وأن تجعل من الدوحة مركزا إقليميا للمفاوضات الدولية.
وقد أسهم هذا النهج في منح الدولة حضورا سياسيا يفوق بكثير معايير القوة التقليدية، ورسخ نموذجا يقوم على توظيف القوة الناعمة والدبلوماسية النشطة لتعزيز النفوذ الإقليمي والدولي، وهو نموذج لا يزال يشكل أحد أبرز ملامح السياسة الخارجية القطرية في بيئة شرق أوسطية تزداد تعقيدا عاما بعد آخر.
وهذه السياسة في الوساطات هي الإرث الحقيقي للراحل، والذي ستشكره عليه الكثير من الأجيال التي ستعيش في مناطق كانت ستستمر فيها الصراعات لولا تدخل دولته سابقا ولاحقا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك