دخل الخلاف بشأن تجنيد الحريديم مرحلة تتجاوز سؤال عدد المجندين، بعدما أقر الكنيست القانون الأساسي لدراسة التوراة، ودفع الائتلاف بقانون يجمد اعتقال طلاب المعاهد الدينية المتهربين من الخدمة العسكرية.
وفي قلب حرب متعددة الساحات ونقص حاد في القوى البشرية، تعيد التشريعات تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها: من يطلب منه القتال مدة أطول، ومن يحصل على حماية قانونية من تبعات الامتناع عنه.
list 1 of 2الصحافة الصينية تكشف حدود الرهان الغربي على التصنيع في الهندlist 2 of 2دروس غيبون.
ما الذي تعلمته أمريكا من سقوط الإمبراطورية الرومانية؟أقر الكنيست القانون الأساسي لدراسة التوراة بأغلبية 63 عضوا مقابل 52، في غياب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتنص الصيغة المختصرة على أن دراسة التوراة" قيمة أساسية في تراث الشعب اليهودي ودولة إسرائيل"، وقدمت الأحزاب الحريدية النص بوصفه اعترافا رمزيا بمكانة طلاب المعاهد، بينما حذرت نائبة المستشارة القانونية للحكومة أفيتال سومبولينسكي من أن حذف المواد التنفيذية لا يلغي أثر القانون، لأنه يمنح الحكومة والقضاء أداة دستورية لم تكن قائمة سابقا.
جاء التحذير في تقرير نشرته دفنا ليئيل، المراسلة السياسية في القناة 12، يوم 13 يوليو/تموز 2026، ونقلت ليئيل عن سومبولينسكي قولها إن المشرعين يمنحون المحكمة" أداة لم تكن تملكها"، يمكن استخدامها لمنح طلاب المعاهد مزايا تقارب ما يحصل عليه المقاتلون، أو لموازنة واجب الخدمة بقيمة دستورية مقابلة هي دراسة التوراة.
وتلتقي هذه القراءة مع ما أوردته تمار ألموغ، محللة الشؤون القضائية في هيئة البث الإسرائيلية" كان"، عن مسؤولين قانونيين رأوا أن إدراج دراسة التوراة في قانون أساسي يتيح الاستناد إليه لتبرير مخصصات المعاهد، ووقف إجراءات الاعتقال، وتقديم مزايا للمتهربين من التجنيد، وهكذا يتجاوز النص طابعه الإعلاني، ويصبح جزءا من الصراع على تفسير المساواة وحدود تدخل المحكمة العليا.
يكمل قانون تجميد الاعتقالات هذا المسار، إذ يوقف حتى 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 الاعتقال والتحقيق والإجراءات الجنائية بحق حريديين يعترف بهم طلابا منتظمين في المعاهد الدينية، ووصفت المستشارة القانونية للجنة الخارجية والأمن الترتيب -وفق تقرير إليشع بن كيمون في يديعوت أحرونوت- بأنه" إعفاء قطاعي" يفتقر إلى رقابة وعقوبات موازنة، بينما دافع رئيس اللجنة بوعز بيسموث عنه بالقول إن الاعتقالات لا تؤدي إلى التجنيد، وقد تعرقل محاولات دمج الحريديم.
غير أن رسالة رئيس الأركان إيال زامير أسقطت حجة وجود تأييد مهني عسكري لهذه السياسة، فقد كشف إليشع بن كيمون في 13 يوليو/تموز، أن زامير أبلغ نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس لجنة الخارجية والأمن بيسموث أن المشروع" يتعارض بشكل واضح لا لبس فيه مع احتياجات الجيش"، وأن وقف الملاحقة يمنح حافزا إضافيا لعدم الالتحاق بالخدمة العسكرية.
يقدر الجيش الإسرائيلي نقصه بنحو 15 ألف جندي، بينهم سبعة أو ثمانية آلاف جندي مقاتل، في وقت يطالب فيه بتمديد الخدمة الإلزامية وتوسيع استدعاء الاحتياط، لذلك ركز زامير اعتراضه على التناقض بين مطالبة فئة بتضحيات متزايدة ومنح فئة أخرى حصانة جماعية، وكتب أن الجيش الذي يستدعي الاحتياط بكثافة لا يستطيع أن يكون الجهة التي" توقع على إعفاءات جماعية من الملاحقة القضائية".
ويزداد التناقض وضوحا مع إقرار تمديد الخدمة النظامية من 30 إلى 32 شهرا -وفق تقرير يديعوت أحرونوت- رغم مطالبة الجيش بإعادتها إلى 36 شهرا، ففي الجلسة التشريعية نفسها، اتجهت الحكومة إلى تحميل الجنود الموجودين داخل الجيش أشهرا إضافية، بالتوازي مع توفير حماية مؤقتة لآلاف المتهربين من الخدمة العسكرية.
ونقلت يديعوت أحرونوت عن رئيس شعبة التخطيط وإدارة القوى البشرية العميد شاي طيب قوله إن منظومتي الخدمة النظامية والاحتياط وصلتا إلى أقصى حدود قدرتهما.
واقترح القانون تشكيل لجنة من ثلاثة ضباط كبار لتحديد من يستحق صفة طالب يدرس التوراة في مدرسة دينية، ورأى زامير أن الجيش لا يمتلك الخبرة لفحص ساعات الدراسة والإفادات، وأن تحويل الضباط إلى لجنة تسجيل دينية سيبدد موارد واهتماما قياديا خلال الحرب، أما الخطر الأعمق -وفق رسالته- فهو إحداث" شرخ عميق" مع الجنود والاحتياط الذين يحملون عبء القتال منذ نحو عامين ونصف.
وينقل المراسل والمحلل العسكري في صحيفة" معاريف" آفي أشكينازي النقاش من الحاجة العملياتية إلى مستقبل الدولة، وفي مقاله المنشور يوم 14 يوليو/تموز 2026، اعتبر أن رسالة زامير جاءت متأخرة، لأن التشريعات نقلت النقاش من مكان وزمان التجنيد إلى" جدوى التجنيد من الأساس".
وربط الكاتب الأزمة بنموذج" جيش الشعب" الذي استخدمته إسرائيل منذ تأسيسها بوتقة لدمج المهاجرين وتقليص الفوارق وبناء هوية مشتركة بين جماعات لم تكن لتلتقي في حياتها المدنية.
وبحسب هذه القراءة، لا يهدد الإعفاء الحريدي مخزون الجنود فقط، بل يضرب المؤسسة التي منحت الإسرائيليين شعورا بالمصير المشترك.
ويرى أشكينازي أن القوة السياسية أصبحت أقوى من رئيس الأركان، وأن الجيش سيدفع الثمن عندما يعجز لاحقا عن الوفاء بالتزاماته، وهنا يتحول تحذير زامير من شرخ داخل صفوف الجنود الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي إلى تحذير من انهيار المؤسسة الجامعة نفسها.
تبنت افتتاحية" هآرتس" المنشورة في 14 يوليو/تموز الزاوية الاجتماعية ذاتها، لكنها ركزت على شعور الجنود بالإهانة، وترى الصحيفة أن ثلاث سنوات من الحرب كان يفترض أن تنتج تشريعات تعترف بمن يخدمون في الجيش الإسرائيلي، بينما اختارت الحكومة تثبيت مكانة دراسة التوراة ودفع قانون يحمي المتهربين من التجنيد، وحتى إذا أبطلت المحكمة العليا التشريعات، سيبقى أثرها المعنوي قائما، لأنها تؤجل تجنيد الحريديم ولا تقدم للجيش آلاف الجنود الذين يحتاجهم.
وتحول الخلاف أيضا إلى مواجهة بشأن حدود تدخل الجيش في السياسة، إذ طالبت النائبة عن الليكود تالي غوتليب بإقالة زامير، وخاطبته بعبارة" اعرف حدودك"، متهمة إياه بدخول الملعب السياسي وإضعاف معنويات الجنود، وهو ما كشف انقلاب المعادلة، إذ يصور التقدير المهني الذي قدمه قائد الجيش بشأن احتياجاته البشرية باعتباره نشاطا معارضا لحكومة نتنياهو يستوجب الإقالة.
لا تنفصل القوانين عن صفقة أوسع تمنح الأحزاب الحريدية القانون الأساسي وتجميد الاعتقالات وإلغاء إصلاح الكشروت (شهادة الحلال للأطعمة)، مقابل دعم قوانين تقلص استقلال المستشارة القانونية وتعيد تنظيم وسائل الإعلام.
وأظهر استطلاع للقناة 12 نشر مساء الاثنين 13 يوليو/تموز، أن 62% يعارضون الصفقة مقابل 22% يؤيدونها، وبين المعارضين 18% من ناخبي الائتلاف.
قد تمنح الصفقة نتنياهو ولاء شركائه حتى الانتخابات، لكنها تترك الجيش أمام نقص بشري واحتياط مرهق، وتترك المجتمع أمام سؤال يزداد حدة: هل تبقى الخدمة قاعدة للمواطنة أم تتحول إلى التزام انتقائي؟فالخطر الذي تصفه المصادر العسكرية والإعلامية يتجاوز عدد المتهربين، إذ إنه يتصل بتآكل الثقة بين من يخدمون في الجيش والدولة التي تطالبهم بالمزيد، وعندما يفقد" جيش الشعب" إحساسه بالمساواة، يصبح الشرخ جزءا من بنية الدولة نفسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك