مع طول الحرب الروسية على أوكرانيا، تراجع السؤال عن الجبهات قليلا أمام أسئلة أعمق عن كيفية إدارة حرب لا يكفي فيها التقدم على الأرض، ولا تنتهي بالضرورة عند وقف النار؟ففي قراءات غربية حديثة، تبدو أوكرانيا ساحة لاختبار أدوات تتجاوز المعنى التقليدي للجبهة، من استهداف الداخل الروسي نفسيا واقتصاديا، إلى ضرب عصب الطاقة، وصولا إلى التعامل مع الهدنة المحتملة بوصفها مساحة مناورة قد تطيل الصراع بدل أن تنهيه.
list 1 of 3زيلينسكي يتجه لتغيير رئيسة الوزراء و4 قتلى في هجمات روسيةlist 2 of 3إثر قصف أوكراني.
تفاقم أزمة البنزين والديزل في روسياlist 3 of 3هل انتقلت حرب روسيا وأوكرانيا إلى أفريقيا؟بهذا المعنى، لا تقدم الحرب في أوكرانيا درسا عسكريا فحسب، بل تكشف جانبا من منطق الحروب المقبلة، فهي صراع على الإرادة بقدر ما هي صراع على الأرض، وعلى قدرة الدولة على الاحتمال كما هي سباق في السلاح والتكنولوجيا.
تقول نيويورك تايمز إن الأوكرانيين باتوا من أبرز مبتكري حرب المسيّرات، لكنهم بدأوا يوجهون اهتمامهم إلى ما يعدونه المرحلة الحاسمة المقبلة، وهي التأثير في الرأي العام الروسي وتقويض التأييد للحرب من الداخل.
ونقلت الصحيفة أن عددا من كبار القادة العسكريين والمدنيين اجتمعوا في كييف بدعوة من ماريا بيرلينسكا، التي تصفها الصحيفة بأنها من أبرز من دفعوا باتجاه استخدام المسيّرات في الحرب.
وقد أسست بيرلينسكا منظمة جديدة باسم" فيكتوري نيورونز"، وجمعت مختصين في مجالات تمتد من الاتصال الإستراتيجي إلى الحرب السيبرانية.
ونقلت نيويورك تايمز عنها قولها إن" الحروب لا تبدأ ولا تنتهي في الخنادق، بل في عقول الشعوب".
وبحسب الصحيفة، تسعى المبادرة أولا إلى إضعاف التأييد الشعبي داخل روسيا للحرب، وتقليص قدرة موسكو على تعبئة عامة خلال الأشهر المقبلة.
وتشرح بيرلينسكا أن المسيّرات الأوكرانية حققت نجاحا في تثبيت الجبهة، لكنها لن تكسب الحرب وحدها.
وتنقل الصحيفة عن وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف قوله إن بلاده بدأت تقترب من روسيا في الحرب الإلكترونية والمسيّرات، لكنها لا تزال بحاجة إلى اللحاق بها في حرب المعلومات، حيث تعد موسكو – على حد قوله –" الأولى في العالم".
على جبهة الاقتصاد، يقول مركز ستراتفور للدراسات الإستراتيجية والأمنية إن روسيا ستظل قادرة على إنتاج معظم نفطها وتصديره، لكن الضربات الأوكرانية المتكررة ستضعف قدرة التكرير، وتفاقم نقص الوقود داخليا، وتزيد خطر خفض الإنتاج لاحقا، بما يقلص المساحة المالية المتاحة لموسكو.
وينقل المركز أن وكالة الطاقة الدولية خفضت توقعاتها لإنتاج النفط الروسي في عامي 2026 و2027، مستندة إلى استمرار الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة.
وبحسب ستراتفور، طالت الضربات مصافي ومنشآت تخزين ومحطات ضخ وبنى تصدير داخل روسيا.
ويشير المركز إلى أن صادرات المنتجات المكررة تراجعت، وأن موسكو فرضت حظرا مؤقتا على تصدير الديزل، إلى جانب قيود سابقة على البنزين ووقود الطائرات، في محاولة لمعالجة نقص الوقود في الداخل.
كما يحذر ستراتفور من أن وتيرة الضربات ودقتها باتتا تتجاوزان قدرة روسيا على إصلاح المصافي المتضررة والحفاظ على الإمدادات المحلية.
ومع ذلك، يؤكد المركز أن هذه الاضطرابات على أهميتها، لا تبدو كافية وحدها لإجبار الكرملين على تقليص حربه في المدى القريب.
أما فورين أفيرز فتنتقل إلى سؤال مختلف: ماذا لو توقفت المعارك؟ في مقال لمايكل كيميغ وهانا نوت، تحذر المجلة من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يتعامل مع أي وقف لإطلاق النار بوصفه وسيلة جديدة لمواصلة الحرب لا لإنهائها.
وتستعيد المجلة تجربة اتفاقات مينسك عامي 2014 و2015، معتبرة أن روسيا احتفظت بالأراضي التي سيطرت عليها في أوكرانيا وعسكرتها، بينما قبلت أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بالتعايش مع ترتيب لم يحل جوهر الأزمة، إلى أن أطلقت موسكو غزوها الواسع عام 2022.
وبحسب فورين أفيرز، يرى بوتين الدبلوماسية امتدادا للصراع بأدوات أخرى، وإذا وافق على هدنة ناقصة، فقد يستخدمها لإثارة الاضطراب السياسي في أوكرانيا، ودفع أصوات أوروبية إلى المطالبة بالعودة إلى التعامل الطبيعي مع موسكو، وتعميق الشرخ بين الولايات المتحدة وأوروبا إذا مُنح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فرصة نسب وقف القتال إلى نفسه.
وخلصت المجلة إلى أن وقفا محدودا للمعارك لن يعني بالضرورة نهاية الصراع، بل قد يكون انتقالا إلى طور آخر منه، ما لم تتغير حسابات موسكو تجاه أوكرانيا.
ولا يقتصر سؤال الحرب الجديدة على ما تفعله أوكرانيا بروسيا، بل يمتد إلى ما تفعله كييف بجيشها نفسه.
فإذا كانت المرحلة المقبلة تقوم على المسيّرات والبيانات وسرعة الشراء وحرب التأثير، فإن وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف يصبح جزءا من هذا الاختبار لا تفصيلا إداريا على هامشه.
فمجلة إيكونوميست تقدمه بوصفه وجها إصلاحيا قادما من عالم التكنولوجيا، ساهم سابقا في دفع" جيش المسيّرات"، ويرى مؤيدوه أن وجوده في وزارة الدفاع قد يفتح الباب أمام تحديث الجيش وإعادة تخيل النصر.
داخل كييف، تقول إيكونوميست إن فيدوروف يواجه مقاومة من جنرالات الجيش، رغم صورته كمصلح شاب قادم من عالم التكنولوجيا.
فالرجل، الذي ارتبط اسمه سابقا برقمنة الخدمات الحكومية وتطوير" جيش المسيّرات"، وصل إلى وزارة الدفاع محملا بآمال تحديث المؤسسة العسكرية، في حرب باتت السرعة التقنية فيها جزءا من القدرة على الصمود.
وتقول المجلة إن فيدوروف أمر منذ وصوله بتدقيق داخل وزارة الدفاع والكتائب، وكشف عن هدر كبير، ونقل بعض المشتريات إلى نظام مناقصات مفتوح، مؤكدا أن ذلك خفض كلفة قذائف المدفعية عيار 155 ملم بنحو 16%.
كما بدأ تنفيذ حزمة إصلاحات تشمل زيادة رواتب مشاة الجبهة، واعتماد عقود خدمة محددة المدة، وفتح باب محدود لتسريح الجنود الأطول خدمة بنهاية عام 2026.
لكن إيكونوميست تنقل عن منتقدين داخل الجيش قولهم إن افتقاره إلى الخبرة العسكرية يجعله غير مؤهل لتخطيط الحرب، ويرى بعضهم أن إصلاحاته تعيد تقديم عمل كان جاريا أصلا بغلاف دعائي جديد.
وينتقد جنرالات -حسب المجلة- تحويل بعض أدوات إدارة الحرب إلى نظام نقاط ومكافآت، بما قد يدفع إلى التركيز على أرقام" القتل" بدل مهام أقل لفتا لكنها لا تقل أهمية، مثل مراقبة طريق حيوي.
ويُقال عادة إن الأطفال هم المستقبل، غير أن الحرب في روسيا وأوكرانيا، جعلت بعض أبناء هذا المستقبل جزءا من معارك الحاضر.
فبينما تتحدث التحليلات عن المسيّرات والذكاء الاصطناعي وحرب العقول، تعرض تايمز وجها آخر للصراع: جيلا نشأ على وقع الحرب، ثم وجد بعض أفراده أنفسهم في ساحتها قبل أن يكتمل عبورهم إلى الحياة.
وتروي الصحيفة قصة نيكيتا ماليشيف، الذي أصبح -بحسب قولها- أصغر جندي روسي معروف يُقتل على الجبهة، إذ كان ماليشيف في الخامسة حين ضمت روسيا القرم عام 2014، وفي 13 حين بدأ الغزو الواسع لأوكرانيا عام 2022، ثم وقع عقده مع الجيش بعد يوم واحد من بلوغه 18.
وتقول تايمز إن ماليشيف، القادم من قرية في بورياتيا شرقي سيبيريا، قتل بعد شهرين فقط من إرساله إلى الجبهة، وتنقل عن موقعي ميديازونا المعارض وبي بي سي روسيا تقديرهما أن ما لا يقل عن 200 جندي روسي في الثامنة عشرة قُتلوا في أوكرانيا.
وتربط الصحيفة قصة هذا الفتى بحملة روسية أوسع لإقناع الطلاب بالالتحاق بالجيش، وبالدعاية المتزايدة في المدارس، كما تشير إلى أن مناطق بعيدة وفقيرة مثل بورياتيا، تتحمل عددا غير متناسب من الخسائر.
هكذا تكتمل صورة الحرب كما ترسمها هذه التغطيات، عقول تُستهدف، ومصافٍ تُضرب، وهدن تُقرأ بريبة، وجيوش تحاول إعادة تشكيل نفسها، وجيل صغير يُجبر على دفع ثمن حرب لم يختر بدايتها.
وما يجري هناك، كما توحي هذه التغطيات، لا يبقى داخل حدود أوكرانيا، بل يرسم بعض ملامح الحروب التي قد تأتي بعدها.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك