كان لا بد للعلاقات بين الجزائر ومالي من أن تعود إلى مسارها الطبيعي، وأن يُعاد ترتيبها على نحو يعيد الحد الضروري من الاتصال والتنسيق والتفاهمات التي تساعد على احتواء التوترات القائمة في شمال مالي وفي كامل منطقة الساحل، فالجغرافيا الطبيعية والسياسية تفرض على البلدين ذلك، بل إنها تفرض مسارات أكثر حيوية تتجاوز البعد الأمني والسياسي، إلى تثمين الأبعاد والروابط الاجتماعية واستغلال الممكنات الاقتصادية النفعية.
في الواقع، ذهبت السلطة الانتقالية في باماكو بعيداً في خلق عوامل التوتر مع الجارة الأهم، الجزائر، سواء كانت دوافعها في ذلك ذاتية محلية، أو بفعل دفع من أطراف أخرى تحاول أن تجد لنفسها موضعاً مؤثراً في المنطقة وتقدم نفسها سنداً بديلاً بالنسبة للماليين من الجزائر.
كان مؤسفاً أن يكون الماليون هم أول من وجّه، ومن على منبر الأمم المتحدة، اتهاماً قاسياً سياسياً وتاريخياً للجزائر بدعم الإرهاب، ويقصد به تعاملها مع الحركات الأزوادية العضوة في اتفاق الجزائر للسلام في مايو/أيار 2015، وحرّضت على الجزائر في منابر أخرى، استدعت رداً حاداً وغير مسبوق في لغة الدبلوماسية الجزائرية.
ومع ذلك كله، كان الجدير بالملاحظة في مسارات المواقف الجزائر من الأزمة مع مالي خلال أكثر من ثلاث سنوات من التوتر أنّ الجزائر مارست قدراً كبيراً من الصبر وضبط النفس تجاه باماكو، رغم كل عوامل التأثير والضغط التي تملكها، وقياساً بطبيعة ومؤدى الخطوات المالية الحادة تجاه الجزائر.
أسست الجزائر موقفها المنضبط هذا على تقدير السياسي استوعب وجود حالة انفلات وانفعال سياسي لدى صانع القرار في باماكو، وقراءته غير السليمة للوضع، وتقديره غير الصحيح لمدخلات الأزمة ومخرجات الحل في مالي وشمالها بشكل خاص.
عبّر وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف عن ذلك بوضوح في مايو 2025، قائلاً" إن للجزائر مخزوناً من الصبر لا ينضب، ولها منه كل ما يقتضيه التعاطي مع المعضلات الطاغية على المشهد الساحلي الصحراوي بحكمة ورصانة وتبصر، وللجزائر من الإيمان بالوحدة، وحدة الإرث التاريخي ووحدة التطلعات ووحدة المصير، ما يحفزها دوماً على مد يد التضامن والتآزر والتآخي لكل الأشقاء في جوارها".
كان ذلك يعني بكل وضوح أن الجزائر كانت تتوقع أن تعود السلطة الحاكمة في مالي إلى الرشد الإقليمي، وقد توقّع عطاف ذلك عندما قال إن الماليين سيعودون إلى حالة الود مع الجزائر لا محالة.
وسواء كانت باماكو بصدد استعادة توزان الموقف بشأن علاقاتها مع الجزائر، تحت ضغط القلق والانهيار الأمني الذي تشهده مالي، خصوصاً بعد هجمات" القاعدة" وحركات الأزواد في إبريل/نيسان الماضي، أو بفعل مراجعة جادة وضرورية خضوعاً للحقائق الجغرافية والسياسية الجامعة بين كامل دول منطقة الساحل، فإن الحالة المالية يتعيّن أن تبقى درساً بالنسبة للجزائر، من حيث الاستباقية في توقع الأزمات وتلمس مؤشراتها المبكرة، وعدم ترك الفراغ في مناطق الجوار لأطراف دخيلة.
يبقى أن نموذج العلاقة المنتجة الذي تقدمه الجزائر في الوقت الحالي مع أربع من دول الساحل؛ النيجر وبوركينا فاسو وتشاد وموريتانيا، من حيث تحويل علاقات الجوار الإقليمي إلى فرص اقتصادية بنّاءة وسريعة، يمكن أن ينسحب على مالي أيضاً، رغم المشكلات الأمنية الضاغطة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك