تظهر العزلة في تفاصيل الحياة اليومية لمواطني أوروبا ما يتناقض مع واقع عيشهم في مستوى كبير جداً من الازدهار والرفاه العاليَين، والذي يُفترض أن يعزّز الشعور بالانتماء الاجتماعي.
تبدو قارة أوروبا أكثر المناطق استقراراً وثراءً في العالم، ويبلغ متوسط الناتج المحلي الإجمالي للفرد فيها نحو 38 ألف يورو سنوياً، بحسب بيانات" يوروستات"، في حين تتمتع غالبية دولها بأنظمة صحية وتعليمية تُصنّف ضمن الأفضل عالمياً، لكن هذا يُخفي ظاهرة متنامية، فالمجتمع يزداد ثراءً لكن أفراده يزدادون وحدة وعزلة.
في السويد، تتألف نحو 40% من الأسر من شخص واحد، وفي الدنمارك، تشير إحصاءات رسمية إلى أن أكثر من 45% من السكان يعيشون بمفردهم في المناطق الحضرية.
في ألمانيا، يعيش نحو 17 مليون شخص بمفردهم، أي نحو 20% من عدد السكان، وفي فرنسا، تشير التقديرات إلى أن نحو 38% من الأسر الحضرية تتكون من شخص واحد، كما تشير بيانات" يوروستات" إلى أن 1 من كل 10 أوروبيين يشعر بالوحدة، بينما ترتفع النسبة بين كبار السن، ما يعكس أن الظاهرة لم تعد ترتبط بجيل واحد.
ويعكس هذا نمطاً اجتماعياً يُعيد تشكيل مفهوم العلاقات اليومية، فخلال العقود الأخيرة، أعادت أوروبا تشكيل نفسها باعتبار الفرد وحدة اقتصادية واجتماعية مستقلة، وتقلّص سوق العمل المرن والاعتماد الواسع على الخدمات العلاقات المباشرة والروابط الاجتماعية التقليدية.
وبحسب دراسات أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تراجعت المشاركة في الأنشطة المجتمعية والنقابية بأكثر من 30% خلال العقود الثلاثة الأخيرة، كما انخفضت معدلات الانتماء إلى الأحزاب السياسية على نحوٍ واضح، وباتت لا تتجاوز 15% من السكان البالغين، وتراجعت أعداد العائلات الممتدة التي كانت تشكل إطاراً اجتماعياً واقتصادياً أساسياً لصالح أعداد الأسر الصغيرة، أو المكونة من فرد واحد، كما فقدت مؤسسات مثل النقابات والأحزاب التقليدية جزءاً مهماً من دورها الاجتماعي الذي كان يربط الأفراد خارج إطاري العمل والسياسة.
لم يكن هذا التحوّل سلبياً بالكامل، إذ عزّز الحرية الفردية، ووسّع فرص الاختيار الشخصي، لكنه أنتج في المقابل نوعاً من" الاستقلالية المعزولة"، حيث يصبح الشخص قادراً على العيش بمفرده، لكنه أقل ارتباطاً بالمجتمع من حوله.
وأظهر تقرير نشرته المفوضية الأوروبية في عام 2023، أن نحو 13% من سكان الاتحاد الأوروبي يعانون شعوراً مزمناً بالوحدة، رغم أنهم يحصلون على خدمات اجتماعية وصحية متقدمة.
ويطرح هذا التناقض سؤالاً مهماً، إذ كيف يمكن أن تسجل مجتمعات تتمتع بأعلى مستويات الأمان المادي ارتفاعاً في العزلة النفسية والاجتماعية؟وتحوّلت الصحة النفسية إلى مؤشر اجتماعي حساس في أوروبا، وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أنّ الاكتئاب يؤثر في أكثر من 7% من سكان الاتحاد الأوروبي، أي ما يزيد على 30 مليون شخص.
في الدول الإسكندنافية التي تتصدر مؤشرات السعادة عالمياً، تُظهر الدراسات المحلية أن ما بين 20 إلى 25% من الشباب يعانون شعوراً بالوحدة، أو ضعفاً في الروابط الاجتماعية.
في السويد والدنمارك والنرويج يعيش ما بين 35% إلى 45% من السكان بمفردهم في نمط لا يعكس بالضرورة الفقر أو الإقصاء، بل أسلوب حياة شائعاً داخل مجتمعات تتمتع بالتنظيم والرفاه، وتُظهر استطلاعات الرأي أن نحو 1 من كل 4 أشخاص في هذه الدول يصفون أنفسهم بأنهم وحيدون، رغم مستويات المعيشة المرتفعة وجودة الخدمات العامة.
وتشير هذه الأرقام إلى أنّ العزلة ليست مجرد نتيجة، بل هي جزء من تحوّل أعمق؛ فالفردية الحديثة التي تعزز الاستقلالية والاعتماد على الذات أدت إلى تراجع تدريجي في العلاقات الممتدة، كما أسهم الاقتصاد الحديث القائم على التنقل والعمل المرن في تقليل الاستقرار الاجتماعي، إذ يغيّر الأوروبيون سكنهم مرة كل 7 سنوات في المتوسط، ما يُضعف الروابط المحلية طويلة الأمد.
ورغم أن أكثر من 90% من الأوروبيين يستخدمون الإنترنت يومياً، لا يُترجم الاتصال الرقمي بالضرورة إلى تفاعل اجتماعي مباشر، وتشير الدراسات إلى أن الاستخدام الكثيف لوسائل التواصل يرتبط بزيادة الشعور بالوحدة بنسبة تصل إلى 30% لدى الفئات الشابة.
ورغم أن التكنولوجيا خلقت ساحة اتصالات دائمة بين الأفراد، لكنها أنتجت أنماطاً جديدة من العلاقات على صعيد التواصل السريع الأقل عمقاً واستمرارية؛ إذ باتت علاقات كثيرة تُدار عبر الشاشات، ما قلّل الحاجة إلى اللقاءات المباشرة، وأضعف البعد الاجتماعي التقليدي للحياة اليومية.
لا تعيش أوروبا أزمة انهيار اجتماعي، لكنها تواجه تحوّلاً معقداً، فالمجتمع يزداد ثراءً واستقراراً، لكنّه في الوقت ذاته يزداد فراغاً من الجوانب الاجتماعية، وهذا التناقض بين الرفاه والعزلة لا يظهر في الأرقام الاقتصادية، بل في تفاصيل الحياة اليومية، فالشقق الفردية أكثر انتشاراً في المدن الكبرى، والعلاقات العابرة والسريعة باتت السائدة، وهناك شعور متزايد بأن الحياة أصبحت أكثر تنظيماً، لكنها أقل دفئاً.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك