عادت منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة الصفر أو المربع الأول، وعادت معها أجواء حروب" الاستنزاف الاقتصادي" وتآكل الموارد المالية وثروات جميع دول المنطقة.
واشنطن تجرّ المنطقة كلها، وليس إيران فقط، إلى معركة استنزاف جيو- اقتصادية طويلة الأجل، واجبار الجميع على سداد كلفة متنامية وضخمة لحربه المجنونة وتحمل تلك الخسائر المفتوحة، وربما تجرّ العالم واقتصاده بالكامل إلى حرب الاستنزاف تلك التي تبدأ من أسواق الطاقة وتمتد لأسواق الشحن والسلع والممرات المائية والمطارات والموانئ والتأمين وغيرها.
يغذي حرب الاستنزاف الاقتصادي تنامي مستوى المخاطر الجيوسياسية والأمنية بسرعة، ليس داخل إيران وإسرائيل فقط، بل داخل منطقة الخليج واليمن والعراق ولبنان والأردن، ومعها يرتفع منسوب المخاطر الاقتصادية والمالية والأزمات المعيشية، وتزيد ضغوط التضخم على الأسواق، ومخاوف من فقدان دول الخليج كبار مشتري النفط والغاز حول العالم، خاصّة مع توجه دول آسيوية وأوروبية مستهلكة بكثافة للطاقة نحو الأسواق الأميركية للحصول على احتياجاتها.
الصراع في منطقة الشرق الأوسط تحوّل مع موجة المواجهة الحالية إلى" حروب استنزاف ممتدة لاقتصاد دول المنطقة"، والمتضرر هنا هو المواطن الذي سيتعرّض لضغوط معيشية ضخمتصاحب تلك الأجواء المضطربة ضربات عسكرية متبادلة بين إيران والولايات المتحدة، إيران تقصف أهدافاً حيوية في منطقة الخليج وتقول إنها تركّز على القواعد العسكرية الأميركية، رغم استهدافها مواقع اقتصادية خليجية حيوية، مثل منشآت النفط والغاز والمطارات والموانئ والبنية التحتية والفنادق، أميركا تُعيد فرض حصار بحري شامل على الملاحة والموانئ الإيرانية، وتعيد معها فرض العقوبات على قطاع النفط الإيراني الذي نجح في تصدير 80 مليون برميل في أقل من شهر، بقيمة تُقدّر بأكثر من ستة مليارات دولار.
سباق أميركي إيراني في فرض الرسوم على السفن المارة في مضيق هرمز، نحو 30 مليون دولار لناقلة النفط العملاقة أو 20% وفق قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بزعم حماية مضيق هرمز، مقابل مليوني دولار يطالب بها الجانب الإيراني، والمتضرر الأول هنا ليس فقط الاقتصاد الخليجي والعراقي المستفيد الأول من هرمز، بل أسواق الطاقة العالمية ومعها المواطن على مستوى العالم الذي لن يفاجأ بزيادة ملحوظة في كلفة المعيشة بسبب قفزة تكاليف أسعار النفط ومشتقاته.
مضيق هرمز تحوّل مجدداً إلى نقطة ساخنة لسفن النفط والغاز التي تقاتل إيران للحيلولة دون مرورها إلا وفق شروطها، وذلك في ظل حرب رسوم متبادلة بين واشنطن وطهران تسعى العاصمتان إلى فرضها على حركة المرور في أهم ممر مائي عالمي، وتهديدات باستخدام القوة من قبل الأطراف المتحاربة.
عاد التوتر مرة أخرى لأسواق الطاقة، فأسعار النفط قفزت بنسبة تقترب من 10% أمس الاثنين، وهذه أكبر زيادة يومية منذ مايو/أيار 2020، وواصلت الزيادة اليوم، لتصل إلى أعلى مستوياتها في أربعة أسابيع، عقب إعادة فرض الولايات المتحدة حصارها على إيران، وتصاعد الهجمات العسكرية في هرمز، ومعها ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في الأسواق الأوروبية، بعد تجدّد الصراع في الشرق الأوسط الذي زاد من المخاوف بشأن إمدادات الغاز المسال العالمية.
دول الخليج تتعرض لمزيد من الخسائر المالية والنزيف الاقتصادي، وتنتظر موازناتها العامة مزيداً من العجز المالي مع وجود صعوبات شديدة في توصيل الجزء الأكبر من منتجات الطاقة، سواء من النفط أو الغاز، إلى أسواق العالم.
دول أخرى بمنطقة الخليج تسابق الزمن للبحث عن رئة وممرات بديلة لتصدير مشتقات الطاقة، وهذا الأمر ليس بالسهل، إذ يحتاج تنفيذ مشروعات بديلة إلى سنوات للتنفيذ ومليارات الدولارات للتمويل.
دول الخليج تتعرض لمزيد من الخسائر المالية والنزيف الاقتصادي، وتنتظر موازناتها مزيداً من العجز مع وجود صعوبات شديدة في توصيل الجزء الأكبر من منتجات الطاقة إلى أسواق العالمشركات السلاح العالمية تستعدّ لتصدير مزيد من العتاد والمسيرات والصواريخ والمضادات لدول المنطقة، وهو ما يرفع مستوى الإنفاق العسكري داخل تلك الدول على حساب الخدمات المقدمة للمواطن وأسعار السلع والخدمات وتكلفة المعيشة.
قلق متنامٍ في أسواق دول المنطقة كلها، ولا يقتصر فقط على المنخرطين مباشرة في الحرب على إيران، إنما يمتد ذلك إلى دول كثيرة أخرى؛ الأردن الذي يتعرض لضربات مباشرة وشبه يومية من إيران، لبنان والعراق وسورية ومصر، وتمتد تأثيرات الحرب إلى الدول العربية الأخرى، خاصة تلك المستوردة لمشتقات الوقود من بنزين وسولار ومازوت وغاز وغيره، ومنها سورية والمغرب وتونس والسودان واليمن وليبيا والجزائر وغيرها.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك