الغروب الذي أبقى الضوء.
رحل مؤسس نهج الوساطة وبقي أثر سموه رحمه اللهفي سيرة القادة، يسهل إحصاء ما شيدوه، ويصعب تقدير ما غيروه في موقع الدولة ومعناها.
ومن هنا يبدو إرث فقيد الوطن الكبير، المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أوسع من منجزات العمران وأبعد من أرقام النهضة.
ففي عهده لم تتبدل ملامح وطننا فحسب، بل تبدلت مكانته ووظيفته السياسية.
وأصبحت الدوحة مقصدا للمتخاصمين حين تضيق أمامهم سبل التسوية.
لم يتعامل المغفور له مع السلام بوصفه زينة أخلاقية للخطاب، ولا مع الوساطة باعتبارها استجابة عابرة لأزمة طارئة.
رأى في السلام مجالا من مجالات القوة، وفي الوساطة وظيفة من وظائف الدولة.
وكان يدرك أن الدول لا تقاس باتساع رقعتها وحده، بل بقدرتها على أن تكون نافعة في محيطها، موثوقة لدى شركائها، وقادرة على فتح الأبواب التي تغلقها الخصومة.
ومن هذا الإدراك تبلورت ملامح عقيدة الوساطة القطرية التي أصبحت ركنا في سياستنا الخارجية.
لم تكن تلك العقيدة نصا معلنا بهذا الاسم، وإنما نهجا تراكمت عناصره في الممارسة.
يبدأ الحوار قبل أن تبلغ القطيعة مداها، وتبقى قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، مع التمييز الصارم بين محاورة الخصم وتبني موقفه.
ثم يأتي الصبر على تفاوض طويل، وربط التسوية السياسية ببناء الثقة والإغاثة وإعادة الإعمار.
هكذا غدت الوساطة عملا من أعمال سياستنا الخارجية، لا مجاملة دبلوماسية، ولا حيادا باردا بين الحق والباطل.
وكان وراء هذا النهج فهم دقيق لمعضلة دولة في إقليم مضطرب.
فالجغرافيا التي تبدو قيدا يمكن أن تصبح موقعا للوصل، والثروة التي قد تستهلك في الحماية وحدها يمكن أن توظف في بناء النفوذ، والسياسة التي تنكفئ خلف حدودها تستطيع أن تصنع لنفسها مجالا أوسع من تلك الحدود.
لم يطلب الأمير الوالد - رحمه الله - لوطننا حجما غير حجمه، بل صنع له دورا يليق بإمكاناته وإرادته.
في لبنان، أفضت استضافة الفرقاء إلى اتفاق الدوحة عام 2008.
وفي دارفور، انتهت وساطة امتدت أكثر من عامين إلى وثيقة الدوحة للسلام عام 2011.
وبين جيبوتي وإريتريا، وفي ملف المصالحة الفلسطينية، ثم في فتح الطريق أمام الحوار بين الولايات المتحدة وطالبان، اختلفت النزاعات والأطراف، لكن القاعدة بقيت واحدة.
لا سلام من دون باب مفتوح، ولا اتفاق من دون وسيط يملك ثقة أطراف لا يثق بعضها ببعض.
ولعل الإنجاز الأعمق لم يكن نجاح وساطة بعينها، بل نقل الوساطة من مبادرة يقودها الحاكم إلى نهج تتبناه الدولة.
لذلك لم ينته هذا الدور بتسليم الأمير الوالد مقاليد الحكم عام 2013، بل اتسع وترسخ في عهد سيدي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.
هنا يظهر الفارق بين أثر شخصي وإرث سياسي.
الأول يرتبط بصاحبه، أما الثاني فيواصل العمل بعده.
ولم يقم هذا النهج على تصور سطحي للسلام.
فقد عرف فقيد الوطن الكبير أن المفاوضات لا تدار بالنوايا وحدها، وأن الوسيط يحتاج إلى استقلال في القرار، ومصداقية في القول، وقدرة على الوفاء بما يقدمه من ضمانات.
وعرف كذلك أن الحوار لا يلغي الموقف، وأن الانفتاح على الخصم لا يعني التسليم بروايته.
فالوساطة الحقيقية لا تمحو الفوارق بين الأطراف، وإنما تمنع تلك الفوارق من إغلاق الطريق إلى السياسة.
برحيل سموه، فقد وطننا قائدا بنى نهضته الحديثة، وفقدت المنطقة رجلا جعل من التسوية عملا سياسيا ممكنا وفقد العالم عملاقا آمن بالسلام مقصدا، فبقي العمران شاهدا على زمنه، وبقيت الاتفاقات صفحات في سجل السياسة، أما إرثه الأبعد فهو أن الدوحة أصبحت مكانا ممكنا للكلمة حين تستنفد الحروب كلماتها.
لم يترك اتفاقات حملت اسم الدوحة فحسب، بل ترك للدوحة معنى لن ينساه العالم أبدا.
”ليس الغروب نهاية الضوء، حين يصبح النور نهجا“.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك