القادة العظماء.
لا يرحلون من ذاكرة الوطن- دمــوع فـــي وداع الأمـير الوالـد- «أبو مشعل».
أشعل مشاعل التنوير في قطر- عهده امتاز بالإصلاحات في جميع المجالات- كرس حياته لخدمة قطر ورفاهية الشعب القطري- هو صانع الشخصية الوطنية المستقلة.
التي لا تموت- ستظل ألستنا تلهج بالدعاء لفقيدنا الكبيريصعب علينا جميعا رثاء «الأمير الوالد»، دون أن نذرف الدموع، لا سيما بالنسبة لي، ولأبناء جيلي، الذين شهدوا مسيرته، ويشهدون على سيرته.
وما من شك، في أن فقيد الوطن الكبير، لم يكن أميراً لنا ولدولتنا، فحسب، بل كان معلماً وموجهاً ومشجعاً، وسيداً، وزعيماً، وقائداً، ورمزاً وطنياً، يمثل مكانة رفيعة، ومرموقة في قلوبنا جميعاً، التي انفطرت حزناً على رحيله، وانشطرت كمداً على فقدانه.
لقد غيّب الموت، حكيمنا وحاكمنا، وسندنا وعضدنا، وملهمنا، وصانع مجدنا، صاحب الرؤية الثاقبة، والمواقف الواضحة، والوقفات الشجاعة، التي لا تعرف المستحيل.
ذلك الأمير الراحل الكبير، صاحب السمو، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي لم تكن هناك حدود، لأفكاره الطموحة، أو قيود لمواقفه الوطنية، لتحقيق الأفضل لوطنه، والأكمل لمحيطه، والأجمل لشعبه القطري.
لقد رحل «الأمير الوالد»، الذي جاء إلى الحكم، بفكر نهضوي شامل، أرسى خلاله قواعد النهضة، والنهوض في ربوع الوطن، فكانت التجربة القطرية، مميزة في طبعها، فريدة في نوعها، في الحكم والحكمة، التي نفاخر بها بين الأمم.
ولكل هذه الحنكة السياسية، أكتب تعبيراً عن المكانة الكبرى، التي يمثلها هذا القائد العظيم، في قلبي، ويمثلها في عقلي، ويشكلها في كياني، ويسطرها في وجداني، ووجدان كل مواطن قطري.
أكتب عن الوالد القائد، والزعيم الخالد، الذي كان طوال سنوات حكمه، يحرص كل الحرص، على مجد قطر، ورفعة شأنها، وترسيخ مكانها، بين الأمم، وسمو هيبتها بين الدول، بكل ما وهبه الله، من عزيمة قوية، وإخلاص دقيق، وإحساس وطني عميق بالمسؤولية، تجاه الوطن والمواطن.
أكتب عن المعلم الحكيم، الوالد الكريم، القائد الرحيم، الذي قدم خلال سنوات حياته، لوطنه وأمته، ما يجعله زعيماً عصياً على النسيان، أو النكران.
وعندما أكتب عن هذا الإنسان، المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإنني أكتب عن صاحب الشخصية القطرية المستقلة، الجامعة، التي جمعتنا جميعاً، تحت نسيج «بشتها» الفخم.
وتحت مظلة ذلك «البشت» القطري، يشرفني الكتابة، عن القائد الزعيم، الذي ساهم بشخصيته الوطنية القوية، في ترسيخ مكانة قطر عالمياً، وإعلاء شأنها على الساحة الدولية.
أكتب عن «أبو مشعل»، الذي أشعل مشاعل النور، والتنوير، والحداثة، والتغيير والتطوير في أرجاء شبه الجزيرة القطرية.
أكتب عن الزعيم الوطني الملهم، الذي علمنا، كيف يبقى الوطن حاضراً في القلوب، وكيف تبقى مسارات قطر سالكة، في كل الدروب، وكيف يبقى الاحترام، سائداً لدولتنا، في أوساط كل الشعوب.
أكتب عن قائد الوطن، الذي علمنا أن قطر، ليست أرضاً وتراباً وبحراً فحسب، بل هي مجموعة من المبادئ السياسية، والقواعد الدبلوماسية، والقيم الإسلامية، والمواقف الإنسانية، والركائز العربية، التي نستند إليها، ونرتكز عليها، ونترجمها على أرض الواقع، إلى حزمة من الوقائع.
أكتب عن أمير الوطن، الذي علمنا، أن التنمية الحقيقية، تبدأ من خلال ترسيخ كرامة المواطن، وتكريم الإنسان، ليعيش كريماً حراً عزيزاً في وطنه.
وتقديراً لإنجازاته الوطنية الكبيرة، وتضحياته الكثيرة، يشرفني أن أكتب عن أميرنا الراحل، تعبيراً عن الوفاء له، بصفته أمير الإباء، أمير البناء، أمير النماء، أمير العطاء، أمير السخاء، أمير الرخاء.
ولا عجب، أن تجتمع كل هذه الصفات، في شخصيته القيادية الفذة، بعدما شكلت سنوات حكمه، الممتدة بين أعوام (1995)، حتى تنازله عن الحكم عام (2013)، الانطلاقة الحقيقية، للدولة القطرية العصرية المستقلة، في مختلف المجالات وشتى القطاعات.
ولعل ما يحسب له، ولا ينسحب منه، أنه تبنى أكبر خطط التطوير في قطر، وطبق أوسع استراتيجيات التنوير في البلاد، وقاد أهم مراحل التغيير السياسي في التاريخ القطري.
وكان سموه يدرك جيداً، أن معادلة التطوير المنشود، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال التنوير المشهود، عبر إيقاظ الروح الوطنية، وشحذ الهمم القطرية.
وهذا كله، لا يستقيم إلا بإعادة الاعتبار للشخصية القطرية المستقلة، داخلياً وخارجياً، باعتبارها المحرك الأساسي لمشروع النهوض القطري، من خلال إسهام القطريين في صناعة مقاديرهم، عبر تطوير قدراتهم، وبناء مقدراتهم.
ورغم مساحة قطر الصغيرة، وقلة عدد سكانها، عاش الشيخ الراحل حمد بن خليفة آل ثاني، كعملاق في محيطه الإقليمي، وانتقل إلى جوار ربه، وهو أسطورة لا تموت، في مجاله الوطني، وعمقه العربي.
وهذه الحقيقة الراسخة، أشار إليها الرئيس الفرنسي ماكرون، في تغريدة نشرها على منصة «إكس».
وفي سياق هذه الحقيقة، لا يمكن لأي ناشط سياسي، أو مراقب دولي، أو متابع إعلامي، أو كاتب صحفي، إنكار دور الأمير الوالد في ترسيخ مكانة قطر دولياً وعالمياً، بفضل الإنجازات الحضارية، والنجاحات التنموية، التي حققها في البلاد.
وفي مقدمتها، دوره العظيم، في صناعة الإنجاز الاقتصادي الكبير، المتمثل في إطلاق مشروع البنية التحتية، المرتبطة، بإنتاج الغاز الطبيعي المسال في حقل الشمال.
وهذا المشروع الحيوي، أتاح لنا الاستئثار بثروتنا الطبيعية، والاستثمار في الاحتياطات الهائلة، من الطاقة النظيفة، وتصديرها إلى الأسواق العالمية.
بالإضافة، إلى نجاحه العالمي المدوي، في نيل شرف استضافة، بطولة كأس العالم (2022) لكرة القدم، ومساهمته في نقل هذه البطولة إلى الملاعب القطرية، الأكثر تطوراً، في منطقة الشرق الأوسط.
ولا أنسى، دوره في تأسيس قناة الجزيرة، التي أعطت قطر، سمعة إعلامية لا تضاهى، وحضوراً عالمياً، يفوق حجمها الجغرافي، انطلاقاً من إيمانه الكبير بمبدأ الرأي والرأي الآخر.
وكان سموه يشجع جرأة الطرح، المستند على المعلومة الصحيحة، ويدعم حرية التعبير، باعتبارها، من أبرز أدوات التغيير في البلاد.
وفي نطاق هذه الحرية الواعية والمسؤولة، كان يشجع الصحافة اليومية، على تبني قضايا الوطن والمواطن.
ويشجع الشباب القطري، على الانخراط في المجال الإعلامي، وفي عهده حصلت على فرصتي الكاملة، في بلاط صاحبة الجلالة، وحظيت بتشجيع نادر، بعدما تم تكليفي، برئاسة تحرير «الراية» الرائدة، وكان عمري لا يزيد عن (27) عاماً.
كما تشرفت، بإجراء الحوار الصحفي الوحيد، الذي أدلى به للصحافة المحلية، بعد توليه مقاليد الحكم في البلاد، عام (1995)، وتم نشر الحوار، مع انطلاقة العدد الأول، من صحيفة الوطن.
وليس من قبيل المبالغة، بل من صميم البلاغة، القول إن سموه ـ رحمه الله ـ ترك أثراً طيباً، في قلوبنا، لا يمحى، وتأثيراً وطنياً لا يزول، ستظل الأجيال القطرية المتعاقبة، تتوارثه، جيلاً بعد جيل، استلهاماً من تراث وسياسات ومواقف هذا الشيخ الجليل، الأصيل، النبيل.
وما من شك، في أن مواقفه القومية، وسياساته القوية، خدمت القضايا العربية، حيث كان وفياً للقضية الفلسطينية، داعماً لها، ومدافعاً عنها، وعن حقوق الشعب الفلسطيني، وحقه في إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية.
ولا جدال، أن رحيل الأمير الوالد، في الثاني عشر، من يوليو الجاري، يشكل ذكرى مؤلمة، لكل مواطن قطري، ولكل مقيم عربي.
ولا نملك في هذا المصاب الجلل، سوى أن نردد قوله تعالى، المأخوذ من الآية (156) من سورة البقرة:«إنا لله وإنا إليه راجعون»فهذه الكلمات القرآنية المباركة، هي الأنسب في مراسم العزاء، عند فقد الأعزاء، ورحيل الأحباء، وفقدان القادة الأوفياء.
مع تأكيد، الحقيقة الأكيدة، الموكدة، أن الزعماء العظماء، لا يرحلون من ذاكرة الوطن.
وإذا كان الأمير الوالد، قد رحل بجسده عن دنيانا، فإنه لم يرحل، من وجدان الشعب القطري الوفي، الذي أحبه، وهو ملتزم بالسير على نهجه في الحكم، ومنهجه المرتكز على الحكمة، تحت قيادة أميرنا الحكيم، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى.
رحم الله «والد قطر»، وأميرها الراحل، وزعيم شعبها، القريب من أهلها، وسيبقى شعبنا القطري كله يذكره بالخير، ويدعو له بالرحمة والمغفرة، كل الدهر.
وإذا كان الأمير الوالد، قد انتقل إلى مثواه الأخير، في «مقبرة لوسيل»، فلا يسعنا إلا أن نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بخالص الدعاء أن يكرم نزله ويحسن مُدخله ويجعل له في قبره أنيسًا من عمله الصالح، ويغسله بالماء والثَّلج والبرد، وينقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدَّنَس.
وأخيرا نؤكد في النهاية، أنه بوفاة سموه- يرحمه الله- أن هذا ليس معناه أن يغادر ذاكرتنا، ما دمنا أحياء على هذه الأرض الطيبة، بل سيبقى خالداً في قلوب القطريين جميعا، وقلبي خاصة، بصفته زعيماً عظيماً، وقائداً استثنائياً، وأميراً لا ينسى، صاحب أياد بيضاء لا تخفى، وأفعال كثيرة لن تمحى، وحكايات عظيمة ستظل تروى، مهما طالت الأيام، ومرت السنوات.
وستتوارثها الأجيال.
جيلا بعد جيل.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك