يشهد العالم اليوم تحديات متزايدة ومتسارعة، تعمل على تغيير وجه الإجرام العابر للحدود والمتعلق بنشر المخدرات وترويجها، حيث أصبحت المؤثرات العقلية تخرج من غرف معملية مظلمة تُدار بالمعادلات الكيميائية والمواد التخليقية، كما فاقم ترويج هذه المواد عبر الفضاء الرقمي من تحديات مواجهة هذه الجرائم ومكافحة الآفة، وإضافة إلى ذلك نشأت تحديات جديدة مثل انتشار المواد المخدرة عبر السجائر الإلكترونية والـ" فايب" ما يجعل رقابة الأهل والجهات المختصة أكثر صعوبة.
أمام هذا المشهد العالمي المعقد، والزيادة المتسارعة التي أظهرتها الإحصاءات العالمية في نسب المتعاطين، أصبحت المواجهة تتطلب مواكبة مختلفة، وأساليب جديدة والاعتماد على الشراكة المجتمعية الكاملة، وهو ما أدركته دولة الإمارات مبكراً، حيث تبنت منظومة متكاملة وحاسمة تمثلت في إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات 2024–2031، والتي ترتكز على محاور علمية ورقمية ومجتمعية تواجه الجريمة بنفس أدواتها الحديثة.
ولترجمة هذه الشراكة المجتمعية، جاءت الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات، التي ينظمها الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات بالتعاون مع المكتب الإعلامي لحكومة دولة الإمارات، تحت شعار" توحيد الصف لاستئصال الآفة"، لتقود حراكاً شاملاً ومستداماً يعزز الأسس الناجحة لمواجهة الآفة.
وعند قراءة أحدث البيانات الصادرة عن المنظمات الدولية، يتضح أن العالم يواجه طفرة غير مسبوقة في المخدرات التخليقية الجديدة، حيث تكشف تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة عن رصد أكثر من 1200 مادة تخليقية جديدة، حيث باتت هذه السموم المعملية تسيطر على النسبةالأكبر من حجم سوق المواد المخدرة الحديثة نظراً لسهولة إنتاجها وانخفاض تكلفتها، وهذه المواد أصبحت المسبب الأول والأساسي للوفيات بين الشباب والفئات العمرية المتوسطة في العديد من المجتمعات الغربية، متفوقة على الكثير من الأمراض العضوية وحوادث السير.
وتعزو بيانات المركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها نسبة كبيرة من وفيات الجرعات الزائدة عالمياً إلى الأفيونات التخليقية مثل الفنتانيل، الذي يتميز بقوة تدميرية تفوق الهيروين بـ 50 ضعفاً.
والخطورة هنا لا تكمن فقط في السمية الفائقة، بل في عدم قدرة المختبرات السرية لتصنيع هذه السموم على القياس الدقيق لمكوناتها، وخطأ مجهري بمليغرام واحد داخل تركيب المادة يحولها من عقار مهدئ أو منشط إلى سم قاتل فوري من المحاولة الأولى.
ومن الناحية الطبية والسلوكية، يوضح المعهد الوطني الأمريكي لتعاطي المخدرات أن مواد مثل الكريستال ميث (الشبو) أو الكيميكال تحدث ما يمكن تسميته بالقرصنة البيولوجية للدماغ، حيث تجبر هذه المواد المخ على إفراز هرمون الدوبامين بنسب تصاعدية جنونية تصل إلى 1200%، وهذا التدفق الصادم يدمر مستقبلات الدوبامين الطبيعية فوراً، مما يجعل الدماغ يعيد برمجة نفسه بيولوجياً ليلغي الإرادة البشرية تماماً، ويصاب بالاعتمادية القهرية منذ اللحظة الأولى.
وفيما يتعلق بالترويج الرقمي، فقد رصدت التقارير الأممية قفزة كبيرة في استخدام المنصات الرقمية المشفرة والانترنت المظلم لترويج السموم، مما جعلها تستهدف اليافعين مباشرة في غرفهم.
كما أثبتت الدراسات الإحصائية الحديثة أن استخدام السجائر الإلكترونية «الفايب» يزيد من احتمالية تعاطي مواد أخرى، خصوصاً مع صعوبة كشف الزيوت والمؤثرات العقلية المدمجة بها من قبل الأسر والمؤسسات التعليمية.
وأدت هذه التحديات مجتمعة إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات عالمياً ليصل إلى 316 مليون شخص (في الفئة العمرية بين 15 و64 عاماً) وهذا الرقم يمثل 6 % من سكان العالم في هذه الفئة العمرية، حيث سجل هذا الارتفاع قفزة بنسبة 28 % خلال العقد الأخير، وهي نسبة نمو كبيرة وتتجاوز بكثير معدل نمو السكان العالمي خلال نفس الفترة، مما يعني أن رقعة التعاطي تتسع وتجذب فئات جديدة باستمرار.
أمام هذه الحقائق والتحديات العالمية، قدّمت دولة الإمارات نموذجاً استثنائياً في حماية أبنائها وتحصين مجتمعها، ولم تقف في موقع الدفاع التقليدي، بل بادرت إلى بناء منظومة استباقية متكاملة بأدوات عصرية ترتكز على الردع والاستباقية التكنولوجية، وبناء المناعة المجتمعية، والعلاج والتأهيل وإعادة الدمج.
الردع والاستباقية التكنولوجيةوتتمثل منظومة دولة الإمارات في الردع والاستباقية التكنولوجية، بتوظيف البيانات والذكاء الاصطناعي في المواجهة حيث تعتمد الأجهزة الأمنية في الدولة على أحدث التقنيات لرصد وتحليل أنماط التهريب عبر الفضاء الرقمي، وملاحقة الحسابات المروجة عبر الشبكات وتفكيكها استباقياً بالتنسيق مع شركائها الدوليين، كما كثفت الدولة الرقابة الصارمة على المنافذ عبر تشديد الرقابة الجمركية والأمنية باستخدام أنظمة فحص ذكية قادرة على كشف الشحنات المخفية والمواد الكيميائية المعقدة قبل دخولها الدولة.
وفي إطار بناء المناعة المجتمعية تركز الإمارات في استراتيجيتها على ترسيخ شراكة كاملة بين جميع مؤسسات المجتمع بدءاً من الأسرة والمدرسة وتعاون جميع الجهات المعنية للعمل على بناء حصانة ذاتية لدى الشباب، من خلال برامج توعوية متخصصة تمنحهم الوعي المعرفي وشجاعة الرفض لأي تضليل، وتدريب الأسر على مهارات الكشف المبكر والاحتواء.
كما عملت الإمارات على تطوير منصة وطنية للأدوية المراقبة لضمان الاستخدام المسؤول والآمن للأدوية الطبية التي يمكن لاستخدامها غير المدروس أن يسبب الإدمان وسد الثغرات أمام أي استغلال طبي غير قانوني.
العلاج والتأهيل وإعادة الدمجويبرز العلاج والتأهيل وإعادة الدمج كأهم الركائز في استراتيجية الإمارات من خلال توفير بيئات علاجية وتأهيلية متطورة وسرية تضمن للمتعافين العودة كأفراد صالحين ومنتجين، إضافة إلى الدمج الوظيفي والمجتمعي، عبر تفعيل آليات لدعم المتعافين ودمجهم في سوق العمل والحد من معدلات العودة (الانتكاسة)، مع العمل المستمر على خفض الوصمة الاجتماعية المرتبطة بحالات التعاطي السابقة.
وقد نجح النموذج الإماراتي من خلال هذه الركائز في تحويل الإجراء من التجريم إلى التمكين والرعاية، وعدم التعامل مع القضية كملف أمني بحت، بل معالجة الجذور الإنسانية والاجتماعية للمشكلة، للوصول إلى مجتمع خالٍ من السموم عبر برامج وطنية مبتكرة ترتكز على تطوير المناعة المجتمعية.
وقد مثل القانون الإماراتي الإنساني الأساس الأكثر أهمية في نجاح هذا النموذج حيث وفر لطالبي الدعم العلاجي والتأهيلي عبر خدمة حصن على الرقم (80044) التي أطلقها الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات مخرج أمان وأمل من خلال الركائز التي يضمنها لهم وهي: السرية المطلقة، والخصوصية التامة، والعلاج والرعاية بأعلى المعايير الطبية والتأهيلية، والإعفاء التام من المسؤولية الجنائية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك