هل تلتزم إسرائيل للمرة الأولى بما تعهدت به تجاه لبنان؟حتى وقت قريب، كان الجواب يبدو محسومًا بالنفي، استنادًا إلى التجارب السابقة والسلوك الإسرائيلي الذي اعتاد الالتزام بوقف إطلاق النار على مضض، وتحت وطأة الضغوط الدولية، وبالحد الأدنى الذي يضمن مصالحه العسكرية والسياسية.
فإسرائيل، التي لطالما جعلت الحرب خيارها الدائم والقتل وسيلتها المفضلة، لم تتخلَّ يومًا عن رهانها على تبدل الظروف الإقليمية بما يسمح لها بإعادة رسم قواعد الاشتباك.
من هذا المنطلق، لا تزال تل أبيب تترقب بحذر مصير الهدنة القائمة بين واشنطن وطهران، آملة أن يشكل انهيارها المحتمل فرصة لإعادة إشعال الجبهة الجنوبية في لبنان، واستكمال أهداف عسكرية لم تتمكن من تحقيقها خلال حروبها المتتالية، وفي مقدمها فرض السيطرة على مرتفعات علي الطاهر، التي بقيت عصية على الجيش الإسرائيلي رغم مرور عقدين تقريبًا على حرب يوليو/ تموز 2006.
إلا أن المشهد هذه المرة يبدو مختلفًا، وربما للمرة الأولى منذ سنوات.
فالولايات المتحدة تبدو أكثر اندفاعًا لدفع المفاوضات نحو التنفيذ، في مواجهة محاولات إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض.
صحيح أن الإجابة النهائية لم تُحسم بعد، لكن المؤشرات الأولية الصادرة عن الجولة السادسة من المفاوضات، المنعقدة في العاصمة الإيطالية روما، توحي بأن فرص التقدم باتت أكبر من احتمالات التعثر.
من اختبار النيات إلى عقدة التنفيذرغم تضاؤل هامش المناورة أمام إسرائيل، فإن ذلك لم يدفعها إلى التخلي عن أسلوبها التقليدي القائم على المماطلة وإطالة أمد التفاوض.
فكلما قدم الجانب اللبناني إجابات عن الأسئلة والملاحظات الإسرائيلية، عادت تل أبيب لتطلب مزيدًا من التوضيحات، في محاولة لكسب الوقت وتأخير أي التزام عملي.
في المقابل، بدت بيروت مستنفرة لإنجاح محادثات روما.
فقد واكبت المؤسسات اللبنانية مجريات التفاوض لحظة بلحظة، فيما تابع قائد الجيش اللبناني، من مقر رئاسة الجمهورية، تفاصيل اجتماعات اليوم الأول، في إطار جهوزية للرد على أي استفسارات تقنية أو ميدانية قد تُطرح، بما يعكس التنسيق الوثيق بين رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش في إدارة هذا المسار.
وفي هذا السياق، يرفض لبنان، بعد أسابيع على توقيع اتفاق الإطار، أي محاولة إسرائيلية لإبقاء المفاوضات في دائرة المراوحة، ويتمسك بالانتقال إلى مرحلة التنفيذ العملي من خلال إطلاق المناطق النموذجية التي تشكل، وفق الرؤية اللبنانية واتفاق الاطار، خارطة الطريق نحو الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان.
ومن هذا المنطلق، يضغط الوفد اللبناني خلال الجولة السادسة لإقرار تنفيذ المنطقة النموذجية بوصفها خطوة أولى، وتحديد جدول الانسحاب والمناطق المشمولة به، على أن تُترك لمرحلة لاحقة آلية التحقق من التنفيذ عبر لجنة تقنية يشرف عليها الجيش الأميركي.
والهدف هو الانتقال من التفاهمات السياسية إلى التطبيق الميداني.
في المقابل، تواصل إسرائيل محاولاتها لتأخير أي خطوة تنفيذية.
فهي تطرح أحيانًا انتشار الجيش اللبناني في مناطق لا تزال خاضعة للسيطرة النارية الإسرائيلية، من دون انسحاب عسكري كامل، بما يحول الانتشار إلى اختبار لقدرة الجيش على الإمساك بالأرض تحت التهديد الإسرائيلي.
وهو طرح رفضه لبنان، متمسكًا بالتطبيق الحرفي لاتفاق الإطار.
تطالب إسرائيل كذلك بآلية تضمن التحقق من سيطرة الجيش اللبناني على المناطق التي ستنسحب منها قواتها.
وردًا على ذلك، قدمت قيادة الجيش إلى الجانب الأميركي أجوبة تقنية مرفقة بخطة انتشار متكاملة، تؤكد جاهزيتها لتولي المسؤولية الميدانية وبسط سلطة الدولة اللبنانية على الأراضي التي يشملها الانسحاب، في رسالة واضحة مفادها أن الدولة، ومن خلفها المؤسسة العسكرية، تمتلك القدرة على فرض سيادتها الكاملة على الأرض.
زوطر الغربية.
أول متر في خطة الانسحابعلى المستوى الميداني، يسعى لبنان إلى أن تكون أولى النتائج العملية للجولة السادسة إطلاق المرحلة الأولى من المناطق النموذجية، بما يعني بدء الانسحاب الإسرائيلي من أول جزء من الأراضي اللبنانية المحتلة.
وتحمل هذه الخطوة رمزية سياسية وعسكرية كبيرة، باعتبارها الاختبار الأول لجدية إسرائيل في تنفيذ التزاماتها.
وفق المعطيات الحالية، يُفترض أن تبدأ المرحلة من بلدة زوطر الغربية، التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي بصورة جزئية من خلال الوجود العسكري المباشر، وبصورة كاملة عبر السيطرة النارية التي تفرضها القوات الإسرائيلية على المنطقة.
ويرى لبنان أن الانطلاق من هذه النقطة سيشكل أول ترجمة عملية لاتفاق الإطار، على أن تُستكمل آلية التنفيذ خلال المرحلة الثانية من المفاوضات عبر لجنة تقنية تُحدد صلاحياتها وآليات عملها بإشراف أميركي, لتكر بعدها سبحة الانسحابات.
إلا أن تنفيذ خطة الانسحاب وإعادة الانتشار لا يرتبط فقط بصدور قرار إسرائيلي.
فالخطة تواجه تحديات ميدانية وسياسية تبدأ بالشروط التي يضعها الجيش اللبناني للانتشار، ولا تنتهي بمواقف القوى الموجودة على الأرض، وفي مقدمها حزب الله، إضافة إلى سكان القرى المشمولة بالمرحلة الأولى.
من هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل ستتعاطى إسرائيل مع هذه المطالب باعتبارها حقوقًا مشروعة تفرضها مقتضيات تنفيذ الاتفاق، أم ستستخدمها ذريعة جديدة للمماطلة وفرض وقائع ميدانية مختلفة في المناطق التي يُفترض أن تنسحب منها؟الجيش بين شروط الانتشار وحسابات الداخلتشير مصادر لبنانية رسمية في تصريحات لموقع لتلفزيون العربي إلى أن حزب الله لم يقدم حتى الآن أي التزام ميداني يتعلق بانتشار الجيش اللبناني أو بانفراده بالسيطرة على الأرض، كما لم يقدم أي تعهد مرتبط بانسحاب مقاتليه من القرى التي قد تشملها المرحلة الأولى من خطة الانسحاب وإعادة الانتشار فيما قنوات الاتصال بين بعبدا وحارة حريك مغلقة بالكامل.
نشاط عسكري قد يقوض الاستقرار أو يعرّض القوات المنتشرة للخطر.
يضع هذا الواقع الدولة اللبنانية أمام تحدٍّ إضافي، يتمثل في إدارة مرحلة التنفيذ بطريقة تضمن نجاح انتشار الجيش، وتتجنب في الوقت نفسه أي احتكاك داخلي قد ينعكس سلبًا على مسار الاتفاق أو يمنح إسرائيل ذريعة لتعطيله.
وفق المعطيات المطروحة، لم تعد المفاوضات تقتصر على مبدأ الانسحاب الإسرائيلي، وإنما دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بآليات التنفيذ وضماناته.
وهذا ما يفسر الإصرار الإسرائيلي على إجراءات تحقق إضافية، في مقابل تمسك لبنان بأن تكون الأولوية للانسحاب، باعتباره الالتزام الأساسي المنصوص عليه في اتفاق الإطار.
وتشير المعطيات إلى أن المفاوضات لم تعد تقتصر على البحث في مبدأ الانسحاب الإسرائيلي، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بآليات التنفيذ وضماناته، وهو ما يفسر الإصرار الإسرائيلي على المطالبة بإجراءات تحقق إضافية، مقابل تمسك لبنان بأن تكون الأولوية لتنفيذ الانسحاب أولًا، باعتباره الالتزام الأساسي الذي نص عليه اتفاق الإطار.
حزب الله خارج التفاوض وداخل معادلة التنفيذتؤكد مصادر حزب الله لموقع التلفزيون العربي أنه لم يجرِ أي تنسيق أو تواصل مع الحزب بشأن خطة الانسحاب الإسرائيلي وآلية انتشار الجيش اللبناني.
لكنها تشدد في الوقت نفسه على استمرار التعاون جنوب نهر الليطاني، معتبرة أن هذا الموقف ينسجم مع التزام الحزب بما ورد في تفاهمات نوفمبر/ تشرين الثاني 2024.
توضح المصادر أن عودة مقاتلي الحزب إلى بعض قرى جنوب الليطاني خلال الحرب الأخيرة لم تكن تبديلًا في قواعد الانتشار، وإنما جاءت نتيجة التوغل البري الإسرائيلي وضرورات المواجهة الميدانية في إطار الرد على العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وتنطلق مقاربة الحزب لما يجري حاليًا من قاعدة مختلفة.
فالحزب لا يعتبر نفسه طرفًا في المفاوضات التي تجريها الدولة اللبنانية، وهو لا يعترف بها من الأساس، كما يرفض اتفاق الإطار وما قد ينتج عنه، وبالتالي فهو لا يرى نفسه معنيًا بأي ترتيبات تتصل بما هو شمال نهر الليطاني، بحسب ما تؤكد مصادره لموقعنا.
أكثر من ذلك، ينظر الحزب إلى المناطق النموذجية بوصفها طرحًا أميركيًا إسرائيليًا يثير الكثير من علامات الاستفهام.
وتنطلق مخاوفه، بحسب مصادره، من احتمال أن يؤدي أي فراغ ميداني أو خرق في مناطق وجود عناصره غير المعلن إلى تسهيل تقدم القوات الإسرائيلية وتغيير الوقائع على الأرض لمصلحتها.
وتذكّر مصادر الحزب بأن إسرائيل لا يمكن الركون إلى التزاماتها أو الوثوق بتنفيذها لأي اتفاق، فضلًا عن رفضه المبدئي لأي ترتيبات يرى أنها تفرض شروطًا إسرائيلية شمال الليطاني أو تكرس إملاءات جديدة.
يرفض الحزب كذلك أي آلية تسمح بتفتيش منازل المدنيين أو إرغامهم على مغادرة قراهم بذريعة انتمائهم أو ولائهم له، معولًا على موقف قيادة الجيش اللبناني.
وتحذر مصادره من أن أي إجراءات من هذا النوع ستُعد تصعيدًا من جانب السلطة في مواجهة الحزب، وستقابل برد فعل وتصعيد.
أما اللجنة الأميركية المقترحة للإشراف على التحقق من انتشار الجيش، فلا يبدي الحزب اعتراضًا عليها إذا اقتصر دورها على مراقبة تنفيذ وقف الأعمال العدائية، على غرار لجنة المراقبة القائمة.
لكن الحزب يرفض، بحسب مصادره، منحها حرية حركة ميدانية أو صلاحيات تتجاوز الإطار الرقابي.
تكشف الجولة السادسة أن النقاش لم يعد يدور حول مبدأ الانسحاب الإسرائيلي بقدر ما بات يتمحور حول كيفية تنفيذه وضماناته.
فلبنان يسعى إلى الانتقال من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ الميداني، فيما تحاول إسرائيل ربط أي خطوة عملية بسلسلة من الشروط وآليات التحقق، بما يمنحها هامشًا إضافيًا للمناورة.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أكثر انخراطًا في دفع اتفاق الإطار نحو التنفيذ، سواء عبر رعاية المفاوضات أو الإشراف المباشر على الآليات التقنية المقترحة.
ويعكس ذلك رغبة أميركية في تحقيق اختراق سياسي وأمني في الجنوب اللبناني، في ظل المتغيرات الإقليمية التي أعقبت المواجهة بين واشنطن وطهران.
لكن نجاح المسار لا يتوقف على الموقف الإسرائيلي وحده.
فهو يرتبط أيضًا بقدرة الدولة اللبنانية على إدارة التوازنات الداخلية، ولا سيما في ظل موقف حزب الله الرافض للمفاوضات واتفاق الإطار، رغم تأكيده استمرار التعاون جنوب الليطاني ضمن الضوابط القائمة منذ اتفاق وقف الأعمال العدائية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك