لكل إنسان جغرافيتان؛ واحدة ترسمها الخرائط، وأخرى تنسجها الذاكرة.
الأولى تحدد موضعه في العالم، والثانية تكشف المكان الذي تكوّن فيه وجدانه، واكتسب لغته الداخلية، وتعلّم كيف يرى الناس والحياة.
وفي المسافة بين الجغرافيتين تنشأ علاقة شديدة الخصوصية بالمكان، علاقة يصعب اختصارها في الأصل أو الإقامة أو طول السنوات.
يتخذ كتاب «صوت التراب» للكاتب زبير الأنصاري من هذه العلاقة مادةً لتأمل واسع في الانتماء والحنين.
تنبع التجربة من حياة تشكّلت في المملكة العربية السعودية، ثم اتسعت عبر الذاكرة لتصبح قراءة في قدرة المكان على صناعة الإنسان، وفي قدرة الإنسان على حمل المكان معه بعدما تتغير الشوارع، ويرحل الأحبة، وتتبدل ملامح المدن.
العنوان يضع التراب في مركز هذه الرؤية.
فالتراب هنا ذاكرة متراكمة، تحمل وقع الخطوات، وأصوات البيوت، ورائحة المطر، وأثر الذين عبروا الحياة وتركوا شيئًا من حضورهم في الآخرين.
وصوته يأتي من الإنسان نفسه؛ من نبرته، وطباعه، وانحيازاته، ومن ذلك الاضطراب الهادئ الذي يوقظه مشهد مألوف أو صوت قديم أو طريق يقوده إلى صورته الأولى.
يقدم الكتاب الحنين بوصفه وعيًا متأخرًا بقيمة التجربة.
فالمرء يعيش طفولته داخل التفاصيل، ثم يكتشف بعد أعوام أن تلك التفاصيل كانت تبني رؤيته إلى العالم.
بيت الحي، المسجد، المدرسة، جلسات الجيران، تقاسم الماء، موائد المواسم، أصوات المؤذنين، ووجوه المعلمين؛ جميعها تدخل في تكوين ما يمكن تسميته بالذاكرة الأخلاقية للمكان.
ومن خلالها يتعلم الفرد معنى الأمان والتكافل والكرم واحترام الآخرين، قبل أن تتحول هذه المعاني إلى مفاهيم مجردة.
بهذا المعنى، يحمل «صوت التراب» سيرة مجتمع بقدر ما يحمل سيرة صاحبه.
فالذاكرة الفردية تتسع لتضم جيلًا عاش تحولات المكان، وحفظ صورة الأحياء حين كانت العلاقات اليومية تمنح العمر إيقاعه ومعناه.
وتصبح الشخصيات التي يستعيدها الكتاب جزءًا من تاريخ اجتماعي مكتوب من الهامش؛ أبٌ يربّي بسلوكه، امرأة تجعل العطاء عادةً، جار يحفظ للمكان دفئه، ومؤذن يربط صوته بطمأنينة البيوت.
قيمة هؤلاء تنبع من أثرهم الممتد، ومن حضورهم في ضمير من عرفوهم بعد أن غابوا.
وتحتل مكة موقع القلب في هذه الجغرافيا الوجدانية.
فهي فضاء تتداخل فيه القداسة بالحياة اليومية، ويغدو الحرم جزءًا من تكوين الأسرة والحي والزمن.
المعرفة تنمو في حلقاته، والخدمة تتجسد في مواسمه، والسكينة تصبح ملمحًا من ملامح الشخصية.
لذلك يأتي الحنين إلى مكة محمّلًا بأكثر من الشوق إلى مدينة؛ إنه حنين إلى صيغة كاملة من الحياة، وإلى عالم كانت فيه العبادة والتعليم والجيرة والعائلة دوائر متصلة.
أما الرياض فتمثل انتقال الذاكرة من الجذر إلى الأفق.
فيها يختبر الإنسان قدرته على العمل وصناعة الفرصة، ويجد نفسه داخل مدينة تعيد تعريف الطموح كل يوم.
ومن خلال هذا الانتقال، تتخذ المملكة في الكتاب صورتين متكاملتين: أرض تمنح الإنسان ذاكرته، وفضاء يمنحه مستقبله.
مكة تحفظ معنى البداية، والرياض توسّع معنى الإمكان، وبينهما تتشكل علاقة بالمملكة تجمع السكينة بالحركة، والوفاء بالطموح، والذاكرة بالمشاركة.
ويصل الكتاب إلى جوهر الانتماء عبر سؤال شديد الإنسانية: كيف ينتمي المرء إلى مكان لا ينتسب إليه وفق المعنى الموروث؟ تأتي الإجابة من الخبرة اليومية.
فالانتماء ينمو حين يشعر الإنسان أن أفراح المكان تعنيه، وأن تحوّلاته تدخل في رؤيته للمستقبل، وأن ناسه أصبحوا جزءًا من ذاكرته، وأن أخلاقه تحمل شيئًا من طباع الأرض التي نشأ عليها.
عندها يصبح المكان عنصرًا في بناء الهوية الداخلية، ويغدو البعد عنه امتحانًا لما تركه في النفس.
تظهر الإشارة إلى الأوراق والهوية الرسمية ضمن هذا السياق الواسع، بوصفها لحظة من لحظات التجربة، فيما تبقى المسألة المركزية متصلة بذلك الانتماء الذي تشكّل قبلها واستمر حولها.
فالسؤال الذي يشغل الكتاب يتجه إلى عمق العلاقة بين الإنسان والمكان: كيف يصنع العيش الطويل جذورًا وجدانية؟ وكيف يصبح الوطن حاضرًا في السلوك والذاكرة، حتى حين تتعثر اللغة في تعريف تلك الصلة؟ويمنح السفر هذه العلاقة وضوحًا إضافيًا.
ففي الخارج تتكثف صورة المملكة، وتتحول اللقاءات العابرة مع السعوديين إلى استعادة لدفء البيت.
المسافة هنا تكشف حجم القرب، والغربة تعيد ترتيب معنى الألفة.
فالإنسان يرى وطنه أحيانًا بوضوح أكبر حين يبتعد عنه، ويكتشف أن ما يحمله معه يتجاوز اللهجة والعادات إلى إحساس كامل بالمكان والناس.
من هذه الزاوية، يصبح الحنين في «صوت التراب» امتدادًا للانتماء، ووسيلةً لحفظ ما يتعرض للغياب.
إنه وفاء للبدايات، واعتراف بأثرها في الحاضر، وطريقة تمنح الماضي حياةً جديدة داخل الوعي.
فالعودة إلى المكان القديم تحمل عودةً إلى الذات التي نشأت فيه، وإلى المعاني التي رسختها الأيام من دون إعلان.
يقرأ «صوت التراب» الوطن بوصفه ذاكرةً حية تتجسد في الناس والأخلاق واللغة والمشاعر.
وفي عمقه، يقدم تجربة إنسان وجد نفسه في المكان الذي ربّاه، ثم أمضى حياته يصغي إلى صوته داخله.
ومن هنا تأتي قيمة الكتاب: إنه يضع الانتماء في مجاله الإنساني الرحب، حيث تتحول الأرض إلى سيرة، والحنين إلى معرفة، والذاكرة إلى وطن آخر يحمله صاحبه أينما ذهب.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك