في تاريخ الشعوب، هناك قادة كبار يتركون بصمة أو ذكرى عند مرورهم في مرحلة ما من تاريخ بلادهم.
ولكن هناك قادة عظماء هم من يصنعون جزءا من هذا التاريخ، فيعيد مرورهم بالحكم رسم ملامح الدولة ويسطر مستقبلها حتى يصبح الوطن نفسه جزءا من إرثهم.
والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، ينتمي إلى هذه الفئة من القادة الذين ارتبطت مسيرتهم بمشروع وطني غير وجه بلدهم، حتى أصبح الحديث عن قطر الحديثة يستدعي بالضرورة الحديث عن الرؤية التي حملها الرجل، وعن التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد منذ توليه الحكم عام 1995.
فعندما تسلم الشيخ حمد مقاليد القيادة، كانت قطر دولة خليجية صغيرة تعيش على الهامش بالرغم من امتلاكها بعض مقومات التنمية التي لم تكن مستغلة.
وخلال أقل من ثلاثة عقود، انتقلت البلاد إلى مكانة مختلفة تماما، إذ أصبحت دولة ذات اقتصاد قوي ينعم فيه أبناؤها بأعلى مستويات العيش في العالم، وحضور دبلوماسي مؤثر، وقوة ناعمة تجاوزت حدودها الجغرافية، حتى أصبحت عنصرا لا يمكن فك معادلات السياسة الدولية إلا بتدخله.
بدا واضحا أن قطر لم تكن تدير الأزمات فقط، بل كانت تستند إلى مدرسة سياسية تأسست على التوازن والواقعية والقدرة على بناء الجسور.
وهي المدرسة التي أرساها الشيخ حمدلقد انطلق مشروع الشيخ حمد من إيمان عميق بأن حجم الدول لا يقاس بمساحتها أو بعدد سكانها، وإنما بقدرتها على صياغة رؤية للمستقبل وتحويل الإمكانات المتاحة إلى قوة حقيقية.
وكان الاقتصاد هو نقطة البداية، حيث أدرك مبكرا أن ثروة الغاز الطبيعي ليست مجرد مورد مالي، بل فرصة تاريخية لبناء دولة حديثة ومستدامة.
فجاء الاستثمار الإستراتيجي في حقل الشمال وتطوير صناعة الغاز الطبيعي المسال، وهو القرار الذي وضع قطر في قلب خريطة الطاقة العالمية، وحولها إلى واحدة من أبرز الدول المصدرة للغاز.
غير أن أهمية هذا التحول لم تكن في حجم العائدات فقط، بل في الطريقة التي تم بها توظيفها لبناء اقتصاد أكثر قوة وتنوعا، وتطوير البنية التحتية، والاستثمار في التعليم والصحة والبحث العلمي، وإنشاء مؤسسات مالية واستثمارية جعلت من قطر أحد أهم الفاعلين الاقتصاديين عالميا، خاصة عبر صندوقها السيادي الذي يعتبر من أهم الصناديق السيادية في العالم إن لم يكن أهمها.
ولم يكن الشيخ حمد ينظر إلى قضية التنمية باعتبارها أرقاما ومؤشرات اقتصادية، بل كان يعتبرها مشروعا لبناء الإنسان.
ولذلك جاءت رؤية قطر الوطنية 2030 إطارا جامعا لترسيخ التنمية المستدامة، وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والرفاه الإنساني.
فكانت مشاريع المدينة التعليمية التي احتضنت كبرى المدارس والجامعات العالمية لتوفر للطلاب القطريين أرقى مناهج التعليم في العالم.
ومشاريع المنظومة الصحية وعمودها مؤسسة حمد الطبية التي يجد داخلها المرضى أرقى الخدمات التي تتجاوز في جودتها خدمات كبرى المستشفيات العالمية.
دون أن ننسى مشاريع الخدمات الحكومية المرقمنة التي تسهل حياة المواطنين.
سيظل اسم الشيخ حمد مرتبطا في ذاكرة قطر والمنطقة بتلك اللحظة التاريخية التي انتقلت فيها الدولة من حلم بالمستقبل إلى صناعة لهذا المستقبلوفي موازاة النهضة الاقتصادية، أدرك الشيخ حمد مبكرا أهمية القوة الناعمة في عالم أصبحت فيه الصورة والمعلومة جزءا من عناصر القوة الوطنية.
ومن هذا الإدراك جاءت ولادة قناة الجزيرة عام 1996، التي شكلت تحولا كبيرا في المشهد الإعلامي العربي، وأعادت تعريف العلاقة بين الإعلام والسياسة والرأي العام.
فقد أصبحت القناة واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيرا في المنطقة وحتى في العالم، ورسخت حضور قطر في الوعي العربي والدولي، وجعلت الدوحة لاعبا حاضرا في النقاشات الكبرى التي شهدها العالم العربي خلال العقود الماضية.
أما في السياسة الخارجية، فقد أسس الشيخ حمد نهجا يقوم على الانفتاح والحوار وبناء العلاقات مع مختلف الأطراف.
فقد آمن بأن الدول الصغيرة تستطيع أن تحقق تأثيرا كبيرا عندما تمتلك القدرة على التواصل مع الجميع ونيل ثقتهم، وأن الوساطة والحوار يمكن أن يكونا أدوات فعالة لتحقيق الأمن والاستقرار.
ومن خلال هذه الرؤية، تمكنت قطر من لعب أدوار دبلوماسية مهمة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وتحولت الدوحة إلى عاصمة للحوار والتفاوض في أزمات استعصت على الحلول التقليدية.
وقد احتلت تونس مكانة خاصة في قلب الشيخ حمد.
فبالإضافة إلى الجوانب البروتوكولية في العلاقات الرسمية بين الدول، كان رحمه الله يصر دائما على قضاء عطله بين ربوعها ووسط أهلها.
كما تجسدت المكانة الخاصة لتونس في قلب الشيخ حمد في الاستثمارات القطرية الرائدة والتي شملت قطاعات متعددة، وجهات داخلية ظلت، لعقود، خارج أولويات التنمية.
ومع اندلاع الثورة التونسية، كان الشيخ حمد من أوائل القادة الذين آمنوا بحق التونسيين في الحرية والكرامة، ووقف إلى جانب تونس في مرحلة كانت من أدق مراحل تاريخها الحديث.
والأهم من ذلك أنه أورث هذا الحب لتونس إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وإلى القيادة القطرية عموما، فظل هذا الاهتمام ثابتا لا يتغير بتغير الأشخاص أو الظروف.
أسس الشيخ حمد نهجا يقوم على الانفتاح والحوار وبناء العلاقات مع مختلف الأطراف.
فقد آمن بأن الدول الصغيرة تستطيع أن تحقق تأثيرا كبيرا عندما تمتلك القدرة على التواصل مع الجميع ونيل ثقتهموقد لمست ذلك بنفسي خلال تحملي مسؤولية رئاسة الحكومة التونسية، ولا سيما في خضم جائحة" كوفيد-19″، حين وقفت دولة قطر، بتوجيهات من قيادتها، إلى جانب تونس في واحدة من أصعب أزماتها الصحية والاقتصادية، مقدمة أشكالا متعددة من الدعم والمساندة، في تجسيد عملي لعلاقات صادقة لم تكن وليدة الظرف أو دعما بروتوكوليا عابرا، بل موقفا أخويا صادقا عكسته سرعة الاستجابة وحرص القيادة القطرية على الوقوف إلى جانب الشعب التونسي في ظرف استثنائي وفيّ امتدادا لنهج أرسى دعائمه الشيخ حمد، وقام سمو الأمير تميم بتعزيزه ومواصلته بنفس الوفاء والالتزام.
وربما كان من أكثر القرارات التي كشفت عن رؤية الشيخ حمد للمستقبل قراره عام 2013 تسليم مقاليد الحكم إلى نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
فقد مثل ذلك انتقالا هادئا ومنظما للسلطة، وأكد أن مشروع بناء الدولة لم يكن مرتبطا بشخص الحاكم، وإنما بمؤسسات ورؤية أراد لها أن تستمر من بعده.
وفي منطقة لم تكن فيها الانتقالات السلسة للسلطة أمرا مألوفا، حمل هذا القرار دلالة سياسية وتاريخية خاصة.
وقد أثبتت السنوات التالية صلابة هذا المشروع وقدرته على مواجهة الاختبارات.
فقد تجاوزت قطر تحديات كبيرة، من أبرزها تداعيات التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة، بما في ذلك الهجمات التي طالت أراضيها خلال التّصعيد الإقليمي الأخير، فاختارت القيادة القطرية التعامل مع هذه الظروف بأعلى درجات الحكمة وضبط النفس، متمسكة بخيار التهدئة والحوار، ومؤكدة أن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر احترام القانون الدولي وتغليب الحلول السياسية على منطق المواجهة.
وفي كل هذه المحطات، بدا واضحا أن قطر لم تكن تدير الأزمات فقط، بل كانت تستند إلى مدرسة سياسية تأسست على التوازن والواقعية والقدرة على بناء الجسور.
وهي المدرسة التي أرساها الشيخ حمد، وواصل تطويرها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي حمل مسؤولية قيادة البلاد في مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
لقد واصل الأمير تميم البناء على إرث والده، محافظا على ثوابت السياسة القطرية، ومطورا أدواتها بما يتناسب مع تحديات العصر.
وفي عهده، عززت قطر حضورها الدولي، ورسخت دورها في الوساطة والدبلوماسية، وواصلت الاستثمار في الإنسان والاقتصاد والمعرفة، بما يؤكد أن مشروع الشيخ حمد لم يكن مرحلة عابرة، بل مسارا مستمرا لدولة تعرف وجهتها.
إن الحديث عن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ليس حديثا عن حاكم سابق فحسب، بل عن مرحلة تاريخية كاملة في مسيرة قطر.
فقد ترك وراءه دولة مختلفة عما كانت عليه، دولة تمتلك حضورا عالميا يتجاوز حجمها الجغرافي، وثقة في قدرتها على صناعة المستقبل.
ولهذا ستبقى قطر الحديثة، بما حققته من إنجازات ومكانة، واحدة من أبرز الشواهد على أن الرؤية السياسية حين تقترن بالإرادة والعمل قادرة على تغيير مسار الدول.
وسيظل اسم الشيخ حمد مرتبطا في ذاكرة قطر والمنطقة بتلك اللحظة التاريخية التي انتقلت فيها الدولة من حلم بالمستقبل إلى صناعة لهذا المستقبل.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك