في الوقت الذي يترقب فيه العالم صراعات الموارد وصدمات التغير المناخي، اختارت الدولة المصرية أن تخوض معركتها الخاصة ضد الندرة المائية بسلاح العلم والتخطيط الاستباقي.
ومن قلب الصحراء بشرق بورسعيد، برز مشروع محطة معالجة مياه" بحر البقر" فهو ليس مجرد منشأة خدمية، بل كأيقونة عالمية غيرت خارطة الاستثمار الزراعي في شبه جزيرة سيناء، وحولت" أزمة التلوث" إلى" فرصة للنماء".
و لعقود طويلة، كان مصرف بحر البقر يمثل عبئاً بيئياً ثقيلاً، حيث يمتد لمسافة 190 كيلومتراً ناقلاً مخلفات الصرف الزراعي والصناعي ليلقي بها في بحيرة المنزلة، مما أثر على التنوع البيولوجي وصحة الإنسان.
اليوم، تغيرت الرواية تماماً، فالمحطة التي شيدتها سواعد مصرية بالتعاون مع كبرى الشركات الوطنية، نجحت في استقطاب هذه المياه ومعالجتها ثلاثياً وفق أحدث المعايير الدولية.
وهذا التحول لم ينقذ بحيرة المنزلة من التلوث فحسب، بل وفر شريان حياة جديداً يتدفق عبر سحارة" سرابيوم" أسفل قناة السويس ليصل إلى قلب سيناء.
لم تكن الضخامة هي الهدف الوحيد، بل الكفاءة والسرعة، فقد سجلت المحطة حضوراً طاغياً في موسوعة" جينيس" للأرقام القياسية بثلاث شهادات دولية، كأكبر محطة لمعالجة المياه في العالم بطاقة تصل إلى 5.
6 مليون متر مكعب يومياً، وأكبر محطة لمعالجة الحمأة، وأكبر وحدة لإنتاج الأوزون.
هذه الأرقام تترجم على أرض الواقع إلى قدرة هائلة على استصلاح وزراعة نحو 270 ألف فدان، مما يساهم في سد الفجوة الغذائية وخلق مجتمعات عمرانية متكاملة تجذب السكان إلى سيناء، وتوفر مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
تكنولوجيا الجيل الرابع في المعالجةوتعتمد المحطة على منظومة معقدة من المعالجة الفيزيائية والكيميائية، تشمل مراحل الترسيب، والترشيح القرصي، والتطهير النهائي بالأوزون.
ولا تكتفي المحطة بإنتاج المياه، بل يتم تدوير" الحمأة" الناتجة واستخدامها في صناعات مكملة مثل مواد البناء والسماد العضوي، مما يجسد مفهوم" الاقتصاد الأخضر" في أبهى صوره.
وأوضح الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري أن الإنجاز الكبير الذي تحقق من خلال تنفيذ محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر، والتي تعد ثاني أكبر محطة على مستوى العالم لمعالجة مياه الصرف الزراعي بطاقة تصل إلى 5.
60 مليون متر مكعب يوميًا، مشيرًا إلى ما تمثله هذه المحطة والمسارات الناقلة للمياه المنتجة منها لمناطق الاستصلاح بشمال ووسط سيناء من خطوة كبرى في مجال دعم التنمية في سيناء، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ودعم الأمن الغذائي في مصر من خلال استصلاح مساحات جديدة من الأراضي الزراعية ضمن مشروع تنمية شمال سيناء، موضحًا أنه يجري العمل بالمسارين الناقلين رقم 1 ورقم 2 بنسبة تنفيذ تصل إلى حوالي 88% لري زمام 270 ألف فدان.
و يرى خبراء المياه أن مشروعات مثل" بحر البقر" و" الحمام" تمثل الرد العملي لمصر على تحديات الفقر المائي، فالاعتماد على إعادة استخدام المياه المعالجة يقلل الضغط على موارد النيل، ويؤمن احتياجات التوسع الأفقي في الزراعة.
ويشير الخبراء إلى أن التكلفة الاستثمارية الضخمة لهذه المشروعات تقابلها عوائد استراتيجية لا تقدر بثمن، تتمثل في تثبيت أركان التنمية وتحويل سيناء إلى سلة غذاء خضراء تحمي حدود مصر الشرقية بالبناء والتعمير.
جدير بالذكر أن محطة بحر البقر ليست مجرد مشروع لتدوير المياه، بل هي رسالة ثقة بقدرة الدولة المصرية على تطويع الجغرافيا ومواجهة قسوة المناخ.
ومع استمرار تدفق المياه في قنوات الري بشرق القناة، يكتب المصريون فصلاً جديداً من فصول البقاء، شعاره أن" كل قطرة مياه هي نبضة حياة جديدة في قلب الوطن".


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك