لقد شكلت المجلات الثقافية الكويتية منذ النصف الثاني من القرن العشرين، إحدى أهم المنابر العربية التي أسهمت في التعريف بتاريخ الجزائر وتراثها الحضاري، انطلاقا من رسالتها الثقافية التي هدفت إلى تعزيز المعرفة المتبادلة بين الأقطار العربية وترسيخ الوعي بوحدة الهوية الثقافية، فقد أولت هذه المجلات الثقافية، وفي مقدمتها مجلة «العربي» عناية هامة بالجزائر، سواء من خلال الدراسات التاريخية، أو التحقيقات الميدانية، أو المقالات الأدبية والفكرية، أو التغطيات الخاصة بالمعالم الأثرية والمدن التاريخية.
وقد حظيت هذه المجلة بدراسات أكاديمية جزائرية تبرز اسهامات مجلة «العربي» في التعريف بالثورة الجزائرية أبرزها مذكرة تخرج لنيل شهادةالماستر في التاريخ المعاصر بجامعة الأغواط للطالبة لينة هناء بن قلولة، والموسومة بــ”الثورةالجزائرية من خلال مجلة العربي الكويتية 1958-1962م.
وفي السياق ذاته واصلت المجلات الثقافية الكويتية دورها في التعريف بالتاريخ والتراث الثقافي الجزائري للقارئ العربي، ومنها مجلة «تراثنا» الكويتية المتخصصة في التراث والمخطوطات والوثائق، وهي مجلة تصدر عن مركز المخطوطات والتراث والوثائق في الكويت، صدر العدد الأول منها في شهر جوان 1996م/1717ه، ورئيس تحريرها هو الدكتور محمد بن إبراهيم الشيباني، غير أن الملاحَظ في الأعداد الأولى من هذه المجلة أنّ حضور الجزائر في صفحاتها ظلّ محدودا خلال سنوات طويلة، قبل أن تشهد الأعداد الصادرة في السنوات الأخيرة انفتاحا أكبر على مواضيع تتعلق بالتاريخ الجزائري والتراث العربي المشتركانطلاقا من العدد 84 الصادر في شهر جمادى الأخيرة 1444ه- جانفي 2023م، وهو ما يعكستطورا في توجهاتها التحريرية نحو توسيع دائرة الاهتمام بالتراث العربي في أبعاده المشرقيةوالمغاربية، وما تجدر الإشارة إليه هو أن محدودية حضور التاريخ الجزائري في مجلة «تراثنا»لا ينبغي تفسيره بوصفه إغفالا للجزائر، بقدر ما يعكس طبيعة المجلة التخصصية وأولوياتهاالبحثية المرتبطة بتاريخ الكويت والخليج العربي والمخطوطات الوثائق والتراث، بالإضافة إلىقلة مساهمات الباحثين الجزائريين في المجلة ذاتها، فغالبا ما تعتمد المجلات الثقافية على ما يصلها من بحوث ودراسات ومقالات، وإذا كان حضور الباحثين الجزائريين في المجلة محدودا، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على حجم نشر المواضيع المتعلقة بالجزائر.
وزيادة على ذلك تكشف فهارس أعداد أن مساحة كبيرة خُصصت لقضايا تاريخ الكويت والجزيرة العربية، إلى جانب مواضيع من العالم الإسلامي، وهذا ما يعكس الأولوية التحريرية لمواضيع ذاتصلة بالكويت والخليج العربي، ويترك حيزا محدودا لتاريخ دول عربية بعينها.
غير أن الانفتاح الذي شهدته المجلة منذ عام 2023م على مواضيع من التاريخ العربي، ومنها الثورة الجزائرية، يمثل مؤشرا على اتساع اهتمامها بقضايا التراث العربي المشترك، وهو اتجاهٌ جدير بالدراسة والتحليل، وفي هذا السياق يذكر رئيس التحرير الدكتور محمد بن إبراهيم الشيباني في أول مقال نشره عن تاريخ الجزائر بعنوان “الجزائر والاستعمار الفرنسي في مجلة العربي” في العدد المذكور سلفا قائلا: “حتى لا ننسى أنّ الأمة المغاربية العربية الإسلامية ابتُليت بالمستعمِر بأصنافهم المتعددة من غير المسلمين: اسبان، طليان، فرنسيين، برتغاليين وغيرهم، لكن أكثرهم بلاء ومحنة وألم ومصيبة وكارثة، ولكل هذه الكلمات من معان عن الجزائر العربية المسلمة التي ابتُليت بفرنسا وطغيانها وحقارتها وكرهها وأعمال الصليبية بألوانها وأشكالها المختلفة مدة قرنين إلا بعض سنين.
»، وفي هذا المقال تناول فيه رئيس التحرير ببليوغرافيا لسلسة البحوث والدراسات والحوادث والمؤلفات التي نشرتها مجلة “العربي” عبر صفحاتها.
ويبدو لي أن عودة الاهتمام بتاريخ وتراث الجزائر في مجلة «تراثنا» من باب إحصاء من تناولته مجلة «العربي» الكويتية، هو أن هذه الأخيرة مثّلت نموذجا رائدا للإعلام الثقافي العربي الذي جمع بين المعرفة والموضوعية والانفتاح، وأسهمت في التعريف بتاريخ الجزائر وثقافتها وتراثها الحضاري على امتداد عقود من الزمن، ولم يكن حضور الجزائر في صفحاتها حضورا عابرا، بل جاء في إطار رؤية ثقافية تؤمن بوحدة الثقافة العربية، وبأهمية التعارف بين شعوبها، وترسيخ قيّم الحوار والاحترام المتبادل.
بالإضافة إلى ذلك تبرز أهمية مجلة «تراثنا» الكويتية بالتاريخ الجزائري في كونه تجاوز مجرد التعريف بتاريخ بلد عربي، ليؤدي دورا ثقافيا وحضاريا في بناء جسور التواصل بين الكويت والجزائر، وتعزيز المعرفة المتبادلة بين مثقفي المشرق والمغرب العربي، وتأكيد وحدة الذاكرة التاريخية العربية، ومن ثمّ فإن دراسة صورة الجزائر في هذه المجللة يمثل مدخلا جديدامُهمًّا لفهم دور الصحافة الثقافية العربية في توثيق الذاكرة المشتركة، وترسيخ قيم الحوار الثقافي،وتعزيز أواصر الأخوَّة والتعاون بين الشعبين الكويتي والجزائري، بما يجعل هذه التجربة جديرةبمزيد من البحث والتحليل في إطار الدراسات الإعلامية والثقافية المقارنة، وانطلاقا من السنواتالأخيرة احتلَّ التاريخ الجزائري مساحة واسعة في اهتمامات المجلة، إذ تناولت مواضيع متعددة، من أبرزها:– الجزائر في معركة التحرير (محمد بن إبراهيم الشيباني) العدد 85.
ابريل.
ذ2023– ثورة الجزائر، آلان سافاري (محمد السمرة) العدد 86.
جوان 2023– الجزائر في الصحف المصرية القديمة (محمد بن إبراهيم الشيباني) العدد 87.
سبتمبر2023 العدد 88.
ديسمبر 2023/ العدد89.
مارس 2024/ العدد90- جوان 2024/– الجزائر في قلوب الشعراء الكويتيين (محمد بن إبراهيم الشيباني) العدد 92-ديسمبر– تحدي الرقابة: الناشرون الأوروبيون أثناء الثورة الجزائرية مجلة فيونا وليست.
(محمد بنإبراهيم الشيباني) العدد93-مارس 2025/ العدد94-جوان 2025.
– تبرعات الشيخ عبد الله عبد اللطيف العثمان (رحمه الله) لجمهورية الجزائر قبل تحريرهاوبعده.
(محمد بن إبراهيم الشيباني) العدد95- سبتمبر 2025– مع الثوار في الجزائر 1955-1959م.
/ العدد96-ديسمبر 2025– أصداء بعيدة: الجزائر (فاضل خلف) العدد 97-مارس 2026/ العدد 98- جوان 2026ما يمكن قوله في الأخير إنّه على الرغم من أن حضور التاريخ الجزائري في مجلة «تراثنا»الكويتية جاء متأخرا، وظل محدودا من حيث الكّم مقارنة باهتمامها بتاريخ الكويت والخليج العربي، فإن ما نُشر فيها حول الجزائر يكتسب أهمية علمية وثقافية كبيرة، فالقيمة الحقيقية لهذه المواضيع لا تُقاس بعددها، وإنما بطبيعتها ومنهجها ومكانة المجلة بوصفها منبرا ثقافيا متخصصا في التراث، وقد أسهمت المقالات المنشورة في إبراز جوانب من التاريخ الجزائري، ولاسيما ما يتعلق بالاستعمار الفرنسي للجزائر وثورتها التحريرية، كما أن إدراج مواضيع عن الجزائر في مجلة ذات مرجعية خليجية يعكس اتساع الاهتمام بالتاريخ العربي المشترك، ويؤكد أن التاريخ الجزائري أصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية التي تحرص المؤسسات العلميةوالثقافية على توثيقها وإبرازها.
ومن هذا المنطلق، فإن ما نشرته المجلة، يمثل خطوة مهمة في تعزيز التواصل الثقافي بين الكويت والجزائر، ويفتح المجال أمام مزيد من الدراسات التي تُعنى بتاريخ الجزائر وتراثها ضمن فضاء الثقافة العربية، بما يسهم في توسيع المعرفة المتبادلةوترسيخ أواصر الأخوَّة والتكامل الفكري بين المشرق والمغرب العربي، بل إن هذه المقالاتيمكن أن تشكِّل نواة لمشروع علمي أوسع، يدعو إلى زيادة حضور التاريخ والتراث الجزائري في المجلَّات الثقافية والأكاديمية الخليجية، بما يتناسب مع المكانة الحضارية للجزائر وإسهاماتها في التاريخ العربي والإسلامي، وبما أنني مهتم أكاديميا بتاريخ العلاقات الجزائرية الكويتية، وأشرفت على العديد من مذكرات التخرُّج الجامعية ذات علاقة بالموضوع سابقا، فسأسعى لأن تكون مجلة «تراثنا» محور دراسة أكاديمية بعنوان: “الجزائر في مجلة تراثنا الكويتية: دراسة تحليلية لمضامين المجلة”، مع تحليل جميع الأعداد منذ تأسيس المجلة ورصد تطوُّر حضور الجزائر فيها.
على الرغم من أن حضور التاريخ الجزائري في مجلة «تراثنا» الكويتية جاء متأخرا، وظل محدودا من حيث الكّم مقارنة باهتمامها بتاريخ الكويت والخليج العربي، فإن ما نُشر فيها حول الجزائر يكتسب أهمية علمية وثقافية كبيرة، فالقيمة الحقيقية لهذه المواضيع لا تُقاس بعددها، وإنما بطبيعتها ومنهجها ومكانة المجلة بوصفها منبرا ثقافيا متخصصا في التراث، وقد أسهمت المقالات المنشورة في إبراز جوانب من التاريخ الجزائري، ولاسيما ما يتعلق بالاستعمار الفرنسي للجزائر وثورتها التحريرية، كما أن إدراج مواضيع عن الجزائر في مجلة ذات مرجعية خليجية يعكس اتساع الاهتمام بالتاريخ العربي المشترك.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك