وكالة الأناضول - ليبيا.. الدبيبة يبحث مع مدير المخابرات الأردنية العلاقات الثنائية الجزيرة نت - تغيير جغرافي وديموغرافي.. الاحتلال يحشر مليوني فلسطيني في 36% من غزة Independent عربية - ديشان يودع فرنسا بهزيمة لكن إرثه يبقى عصيا على المحو روسيا اليوم - الكويت تعلن اعتراض 4 صواريخ جوالة و21 مسيرة إيرانية منذ فجر الأربعاء روسيا اليوم - سلوتسكي: الاتحاد الأوروبي يشعل حربا عالمية ثالثة من خلال تزويد أوكرانيا بالأسلحة وكالة سبوتنيك - القيادة المركزية الأمريكية تعلن شن موجة جديدة من الضربات ضد إيران اليوم قناه الحدث - ترامب يدرس توسيع الحرب ضد إيران.. وخياراته تشمل خارك وجبل الفأس قناة القاهرة الإخبارية - لماذا لا تستطيع واشنطن إعلان النصر في حربها ضد إيران حتى الآن؟ قناة الغد - مدار الغد| 34 مستوطنة جديدة.. هل تُنهي إسرائيل حلم الدولة الفلسطينية؟ الجزيرة نت - القناة الـ13: "الشاباك" يوافق على حماية سارة نتنياهو مدى الحياة
عامة

الخمينية الجديدة

إيلاف
إيلاف منذ 56 دقيقة

يضع الضغط الدولي الحازم وتداعيات الحرب الأخيرة آلية الحكم الثيوقراطي في إيران أمام مواجهة مصيرية مع العصر، مواجهة تحاول فيها سلطة قامت على احتكار" المطلق والسمائي" أن تتملص من استحقاقات الدولة الطبيعي...

يضع الضغط الدولي الحازم وتداعيات الحرب الأخيرة آلية الحكم الثيوقراطي في إيران أمام مواجهة مصيرية مع العصر، مواجهة تحاول فيها سلطة قامت على احتكار" المطلق والسمائي" أن تتملص من استحقاقات الدولة الطبيعية والقوانين الدولية.

وفي ظل هذا الانكشاف الاستراتيجي الحاد، صاغ النظام أحدث نسخ الإنقاذ العقائدي عبر ما نسميه هنا بـ" الخمينية الجديدة"، وهي تحالف وجودي اضطراري يعيد دمج سلطة الفتوى بسلطة العسكر، ويسخر القبضة العضوية للحرس الثوري والمؤسسة الدينية المتشددة لتصفية أي تحرك إصلاحي وإجهاض وعود الانفتاح على العالم لحماية النواة الصلبة للنظام من السقوط.

هذا النظام لم يأتِ تاريخيًا عبر تداول سلمي، بل قام على استيلاء إقصائي عنيف على مقدرات ثورة 1979 وتصفية شركائها من الليبراليين واليساريين، الذين اعتقدوا أنهم شركاء الثورة الفكرية والسياسية، ليجدوا أنفسهم أول من تعرض للإقصاء والخيانة.

وبمجرد استتباب السلطة للتيار العقائدي، رسخ النظام أركانه عبر هندسة دستورية فريدة من نوعها، حيث يحصر الدستور الإيراني بنيويًا السلطات السيادية العليا والتشريعية في طبقة الفقهاء ورجال الدين، مجردًا" العامة" من حق تقرير المصير، ومكرسًا بذلك سلطة تعتبر نفسها المتحدث الحصري باسم الرب والممثل الشرعي للسماء على الأرض، ومستخدمًا هذه القدسية المزيفة كأداة شرعية مطلقة لإجبار الناس على الخضوع لأحكامه المختومة بختم السماء.

وتكمن المفارقة الكبرى في أن هذا الخطاب الديني قدّم نفسه للجماهير في البداية كـ" مشروع إنقاذ روحي ومجتمعي" يملأ الفراغ بعد فشل المشاريع الماركسية والليبرالية، ليعطي لحياة الناس معنى ويعدهم بالعدالة وحق الشعوب، لكنه بمجرد أن تغلغل وتمكن من مفاصل الدولة، تحول سريعًا إلى آلة قمعية مرعبة، فانقلبت وعود الإنقاذ إلى أعواد مشانق تُعلّق عليها النخب والمعارضون، وتلاشت خطابات العدالة والعودة إلى الله لتتحول إلى خطابات عسكرية وتدخل سافر في شؤون الدول، وتجويع للداخل واستلاب لكنوز النفط ومقدرات البلاد الغنية لخدمة الأيديولوجيا، بينما يئن المجتمع تحت وطأة الفقر والفاقة والقهر.

تأسس النظام إذن على صفقة بنيوية داخلية دمجت المقدس بالسياسي، حيث صاغت نظرية ولاية الفقيه تفويضًا مطلقًا يمنح فيه الفقهُ الشرعيةَ لرجل الدولة، في مقابل عهد تلتزم فيه أجهزة الدولة الأمنية والتنفيذية بحماية النفوذ المالي والأيديولوجي للمؤسسة الدينية الحاكمة، ليصبح الحاكم هو الفقيه وهو رجل الدولة في آن واحد.

أما اليوم، وفي ظل المتغيرات العاصفة التي أعقبت مقتل المرشد علي خامنئي والانكشاف الاستراتيجي للنظام بعد المغامرات العسكرية في الممرات المائية واستهداف دول الجوار، فقد تحولت هذه المعادلة إلى صفقة بقاء مشتركة بين المؤسسة الدينية الممسكة برمزية السماء والحرس الثوري الممسك بأدوات الأرض من سلاح واقتصاد خفي، مدفوعة بذعر بعض النخب الحاكمة التي تدرك أن فقدان القبضة الأمنية للحرس الثوري يعني سقوطها الفوري تحت أقدام الشارع الإيراني.

ويتلاقى هذا الذعر مع عقيدة الجنرالات الذين يوقنون أن مشروعيتهم مستمدة بالكامل من استمرار الدولة العقائدية، وأن أي تحول نحو الدولة الطبيعية يعني تفكيك إمبراطوريتهم المالية والعسكرية وإحالتهم إلى المحاكم الدولية.

هذا التحول يفسر المسعى الحثيث لتصفية الإصلاح والبراغماتية الأداتية التي استخدمها النظام طوال العقود الماضية كأداة لإدارة الأزمات وامتصاص الصدمات الدولية أو الداخلية وصناعة واجهة ديمقراطية خادعة ومضللة قبل الانقضاض عليها فور زوال الخطر، غير أن الحرب الأخيرة والوضوح الحازم الذي أظهره المجتمع الدولي، خاصة بعد قمة الناتو الأخيرة والمواقف الخليجية الصلبة الموحدة بعد انتهاك الاتفاقية، غيّرا قواعد اللعبة وأسقطا مساحات المناورة بعد أن شعر التحالف الحاكم أن السيف اقترب من الرقبة، وأن وعود التغيير الخارجي باتت حقيقية، مما جعل أطروحات التيار الإصلاحي الساعية إلى التهدئة والعودة إلى الدولة الطبيعية تُصنّف بمثابة اختراق أمني ومحاولة لتفكيك بنية النظام من الداخل، الأمر الذي دفع الحرس الثوري إلى قيادة حراك شرس لإسقاط أي حراك دبلوماسي حقيقي، باعتبار أن تقديم أي تنازل في ملف السيادة أو الميليشيات العابرة للحدود هو بداية السقوط الشامل لأحجار الدومينو.

وبناءً على ذلك، جرى ترسيخ الأيديولوجية المتطرفة عبر توظيف أدوات التشدد والبربرية العسكرية لحماية النواة الصلبة للنظام، لتغدو لغة التهديد باغتيال القادة والاعتداء على الملاحة الدولية وخنق الاقتصاد العالمي بمثابة استراتيجية ردع مستميتة يقودها تحالف المعمم والجنرال.

يهدف هذا السلوك الانتحاري إلى إقناع الخارج والداخل بأن كلفة إسقاط النظام ستكون باهظة، وهو ما دفع القوى الدولية إلى تصنيف سلوكهم كحالة من المراهقة السياسية وفقدان العقلانية الاستراتيجية.

غير أن هذه التعبئة العنيفة التي تقودها" الخمينية الجديدة" للتشبث بالسلطة والثروة بكل وحشية، تصطدم اليوم بواقع داخلي مختلف تمامًا، انكسر فيه جدار الخوف الأخلاقي والمعرفي لدى الجماهير، وبات عصيًّا على الاحتواء أو التدجين.

إلا أن هذه المرة تبدو مختلفة تمامًا، فالخمينية الجديدة التي برزت لإجهاض أي انفتاح على العالم، ستعمل بشكل وحشي للتشبث بالمكاسب والثروات والسلطة، لكنها تواجه مجتمعًا فقد ثقته بالكامل في المؤسسة الدينية ورجال الدين بعد أن انكشف خداعهم التاريخي فور استيلائهم على السلطة، حيث أدرك الشعب بوعي جلي أن الدين لم يكن سوى أداة براغماتية للتسلط، والقمع، وسرقة قوت الجماهير ومدخراتهم الوطنية، وتصفية وقمع أي تيار أو حراك يتحرك في إطار وطني خالص.

هذا الانكشاف الاستراتيجي لشرعية النظام جعل القبضة الثيوقراطية تعيش حالة من الاستعصاء التاريخي أمام كيان يدرك أن صلاحيته الإنسانية والأخلاقية والسياسية قد انتهت، ولذلك يختار الهروب إلى الأمام عبر تحويل الدولة بأكملها إلى رهينة.

ولهذا، فإن الخمينية الجديدة في نسختها الحالية تؤكد أنها ليست تعبيرًا عن فائض القوة، بل هي العرض الأخير لمتلازمة السقوط، وأن إصرار تحالف الحرس الثوري والعمائم على خنق تطلعات الشعب الإيراني والتيار الإصلاحي للانفتاح يعكس قرار النظام بالانتحار وراء أسواره العقائدية بدلاً من الانخراط في عالم يحاسبه كدولة.

وبذلك تثبت الأحداث أنَّ قطار التغيير الذي تحركه المعاناة الداخلية الناتجة عن وعي الشعب المخدوع والإجماع الدولي الحازم قد تجاوز محطة إصلاح النظام، لينتقل بالكامل إلى مرحلة حتمية تتجاوزه بوصفه كيانًا غير قابل للحياة البشرية أو التعايش مع النظام العالمي والعصر الحديث.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك