إن مجرد الاختلاف في الرأي يجعل بعض الناس يرمون مخالفيهم بسوء النية، والمكر، والجهل، فلا يفرقون بين الفكرة وصاحبها.
فإذا هاجموا رأيًا، امتد هجومهم إلى من يعتنقه، فيصبح خصمًا لا لمجرد رأيه، بل لشخصه أيضًا، فلا يسلم من العداوة أو الاتهام أو الانتقاص.
ولكن لماذا يظن الإنسان أن اعتناقه لفكرة يجعلها حقيقة مطلقة؟ ولماذا يتصور أن من يخالفه قد أصبح قرينًا للباطل أو عدوًا للحق؟ إن هذا الشعور ينشأ حين ترتدي الأفكار ثوب القداسة، فيغيب عن الذهن أن الحقيقة لا يحتكرها فرد ولا جماعة، وأن الإنسان بطبيعته كائن ناقص، يصيب ويخطئ.
ولو كانت الحقيقة حكرًا على قوم بعينهم، لخرجوا من حدود البشرية إلى مرتبة لا يعرفها الناس.
إن الحوار لا يُقام بأحكام مسبقة، وإلا فقد معناه وأصبح عبثًا لا طائل منه.
فالحوار لا يراد به إثبات الغلبة، وإنما الوصول إلى ما فيه خير الأمة ومصلحتها.
فالفكرة إذا التقت بفكرة أخرى، وُلدت أفكار جديدة، واتسعت آفاق التفكير، وازداد العقل ثراءً.
وليس الحوار حلبة صراع ينتصر فيها من يفرض رأيه، أو يقهر مخالفيه، بل هو دائرة للنقاش، يُختبر فيها كل رأي بميزان العقل والدليل، حتى نصل إلى الأنسب والأصلح.
إن هناك قضايا نتفق عليها جميعًا، ومساحة الاختلاف فيها ضيقة أو معدومة، لكن هناك قضايا أخرى واسعة تحتمل الاجتهاد وتعدد وجهات النظر.
وهذه القضايا لا ينبغي أن تكون بذرة للعداوة والانقسام، بل مجالًا للتفكير المشترك، والترجيح بالحجة والبرهان، بعيدًا عن الشائعات والأحكام المطلقة التي تناقض المنهج العلمي والعقل السليم.
وما يميز أمة عن أخرى ليس أنها تخلو من الخلاف، وإنما أنها تعرف كيف تديره.
فهي تحترم كل رأي، مهما خالفها، ولا تحمل ضغينة لصاحبه، لأنه يظل حرًا فيما يعتقد ويؤمن به.
أما أصحاب العقول المغلقة، فإنهم لا يفرقون بين الرأي وصاحبه، ويؤمنون بامتلاك الحقيقة إيمانًا لا يقبل المراجعة، ولذلك يتحول كل اختلاف عندهم إلى خصومة.
إن الاختلاف سنة من سنن الحياة، فلا ينبغي أن نحارب الفطرة التي خلقنا الله عليها، ولا أن يهدم بعضنا بعضًا بسبب الآراء.
وإذا استعصى الاتفاق، فإن المرجع الذي نحتكم إليه جميعًا هو العقل والقانون، فهما الميزان الذي يفصل بين الناس، ويحفظ للمجتمع وحدته، دون أن يحمل أحد في قلبه كراهية لمن خالفه.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك