تعود موجات الحر الشديد لتفرض ضغوطاً جديدة على الاقتصادات الأوروبية، لا سيما ألمانيا وفرنسا، بعدما بدأت تداعياتها تتجاوز القطاع الزراعي والبيئي إلى قلب النشاط الصناعي وأسواق الطاقة.
ففي ألمانيا أدى انخفاض منسوب نهر الراين إلى تهديد حركة الشحن الصناعي، بينما دفعت درجات الحرارة القياسية في فرنسا الطلب على الكهرباء إلى أعلى مستوياته منذ أزمة الطاقة عام 2022، في وقت تواجه فيه القارة تحديات متزامنة بين ضعف النمو وارتفاع تكاليف الطاقة.
في ألمانيا، بات القطاع الصناعي مهدداً باضطرابات جديدة بعدما تسببت الأجواء الجافة في تراجع مستويات المياه في نهر الراين، أهم ممر مائي داخلي في البلاد، ما أجبر السفن على تخفيض حمولاتها ورفع تكاليف النقل.
ونقلت بلومبيرغ عن نائب مدير الاتحاد الألماني للنقل النهري فابيان شبيس قوله إن انخفاض منسوب المياه يفرض قيوداً على حركة السفن، ما يؤثر خصوصاً في الشركات التي تعتمد على النهر لنقل الفحم والنفط الخام والمواد الكيميائية.
وتضررت بالفعل شركات صناعية كبرى، إذ أعلنت تيسنكروب أن مصنعها في دويسبورغ اضطر إلى تعليق خدمة القوارب الخاصة به والاعتماد على سفن خارجية قادرة على الإبحار في الظروف الحالية، فيما اضطرت بأسف إلى زيادة عدد السفن العاملة لديها بسبب انخفاض قدرة كل سفينة على نقل حمولتها.
ويأتي هذا التطور في وقت يحاول فيه أكبر اقتصاد أوروبي الخروج من سنوات من الركود، وسط رهانات حكومية على إصلاحات داخلية وزيادة الإنفاق على البنية التحتية والدفاع.
إلا أن موجة الجفاف الحالية تضيف ضغوطاً جديدة على قطاع صناعي يعاني أصلاً من تداعيات أزمة الطاقة وضعف الطلب العالمي.
وفي هذا الصدد، حذر مارتن أديمر، من بلومبيرغ إيكونوميكس، من أن استمرار انخفاض مستويات المياه لفترة طويلة قد يضغط على الإنتاج الصناعي الألماني، ويزيد المخاطر على توقعات التعافي التدريجي بعد صدمة أسعار الطاقة.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الشركات أصبحت أكثر استعداداً مقارنة بموجات الجفاف السابقة، ما قد يخفف من حجم الأضرار.
وتملك ألمانيا تجربة سابقة مع تداعيات انخفاض مياه الراين، إذ تسبب تراجع مستويات النهر لفترات طويلة عام 2018 في خسارة الاقتصاد الألماني نحو 0.
4% من الناتج المحلي، وفق معهد كيل للاقتصاد العالمي، كذلك أدى جفاف مماثل عام 2022 إلى اضطرابات في الإمدادات بالتزامن مع تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا.
ويزيد الوضع الحالي تعقيداً أن أحد خطوط الشحن بالسكك الحديدية على الضفة الشرقية للنهر مغلق بداعي الصيانة.
وفي فرنسا، انعكست موجة الحر مباشرة على الكهرباء، إذ أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الطلب على الطاقة خلال الفترة من إبريل/ نيسان حتى منتصف يوليو/ تموز إلى أعلى مستوى منذ عام 2022، وفق بيانات شبكة مشغلي أنظمة النقل الأوروبية للكهرباء (ENTSO-E)، وهذا أول ارتفاع سنوي في استهلاك الكهرباء خلال هذه الفترة منذ أزمة الطاقة، بعد ثلاث سنوات من التراجع.
وسجلت فرنسا في وقت سابق من شهر يوليو الحالي أكثر أيامها حرارة على الإطلاق، بعدما تجاوزت درجات الحرارة 44 درجة مئوية، ما أدى إلى زيادة الاعتماد على أجهزة التكييف، ودفع الحكومة إلى تخصيص 100 مليون يورو لتوفير 30 ألف جهاز تبريد للمستشفيات قبل أغسطس/ آب المقبل.
وارتفع الطلب على الكهرباء في فرنسا إلى 52.
2 جيغاواط في 25 يونيو، وهو أعلى مستوى صيفي خلال تسع سنوات، واقترب من مستويات الطلب التي عادة ما ترتبط بفصل الشتاء.
لكن ارتفاع الاستهلاك ترافق مع ضغوط على جانب العرض، بعدما اضطرت شركة الكهرباء الفرنسية إلى خفض إنتاج بعض المفاعلات النووية بسبب ارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدمة في التبريد.
وأدت هذه التطورات إلى صعود أسعار الكهرباء للشهر المقبل إلى أكثر من 80 يورو لكل ميغاواط/ ساعة بنهاية يونيو، أي نحو أربعة أضعاف مستوياتها منذ أواخر إبريل، حسب بورصة الطاقة الأوروبية (EEX).


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك