تمددت مساحة" الخط الأصفر"، وهو خط" الفصل" بعد الحرب على قطاع غزة الذي يحدد المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي، من 52% من مساحة القطاع عند إبرام اتفاق وقف إطلاق الناربموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لتصل إلى قرابة 65% خلال الشهر الحالي.
وسّع الاحتلال الإسرائيلي المساحة الإجمالية لـ" الخط الأصفر" باتجاه المناطق الغربية للقطاع، عبر سياسة يومية تقوم على قضم المزيد من الأراضي خلافاً لاتفاق أكتوبر.
فبموجب الاتفاق كان من المقرر تطبيق انسحاب من" الخط الأصفر" باتجاه" الخط الأحمر" ليبقى الجيش الإسرائيلي على مساحة 20% فقط من القطاع، بالتزامن مع نشر قوة الاستقرار الدولية التابعة لـ" مجلس السلام" الذي يقوده ترامب.
علماً أن الاتفاق نص على انسحاب إسرائيلي تدريجي كامل من القطاع، هدفاً نهائياً.
ووفق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان (مقره جنيف السويسرية) فإن إسرائيل تنفذ نمطاً منهجياً من الحصار الجغرافي الخانق داخل القطاع، يتجاوز الحصار الشامل المفروض إلى عزل داخلي قسري يكدّس الفلسطينيين في رقعة محدودة ومدمرة.
ويوضح أن ذلك في ظروف تتجاوز في خطورتها وكثافتها ما شهده جيب سريبرينيتسا في البوسنة والهرسك، قبل سقوطه وارتكاب جريمة الإبادة الجماعية فيه عام 1995 (على يد مليشيات صربية).
يقول تقرير المرصد الذي نُشر خلال يوليو/ تموز الحالي، إنه في الوقت الذي حُوصر نحو 40 ألف إنسان في سريبرينيتسا داخل مساحة انحسرت إلى نحو 150 كيلومتراً مربعاً عشية سقوطها عام 1995، فإن الحيز الجغرافي المتبقي لمعظم سكان غزة، البالغ عددهم نحو 2.
1 مليون إنسان، تقلص إلى نحو 128 كيلومتراً مربعاً فقط.
يعني ذلك، وفق التقرير، أن غزة باتت تحتجز في رقعة جغرافية أصغر بنحو 15% من سريبرينيتسا، وبكتلة بشرية يفوق تعدادها سكان سريبرينيتسا بأكثر من 50 مرة، وبكثافة أعلى بنحو 60 ضعفاً.
" الأورومتوسطي": مخطط الاحتلال سيفضي إلى تقليص المساحة المتبقية للسكان الغزيين إلى نحو 109 كيلومترات مربعة فقطويسعى الاحتلال لتوسيع السيطرة العسكرية في القطاع لتشمل 70% من مساحته، وفق ما جاهر به رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الشهر الماضي، تمهيداً للاستيلاء على كامل القطاع بنسبة 100%.
وسيؤدي هذا المخطط إلى تقليص المساحة المتبقية للسكان الغزيين إلى نحو 109 كيلومترات مربعة فقط، ما يعني خفض حصة الفرد من كامل الحيز المتبقي إلى نحو 52 متراً مربعاً، فيما ستقفز الكثافة السكانية إلى نحو 19300 شخص/كيلومتر مربع، وفق تقرير المرصد الأورومتوسطي.
ويكرر نتنياهو ووزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس تهديداتهم بتوسعة" الخط الأصفر"، مع البقاء في تلك المناطق واعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الغلاف الأمني.
في هذا الصدد يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأمة في غزة، حسام الدجني، إن توسيع" الخط الأصفر" باتجاه عمق القطاع يزيد الخلل القائم أصلاً بين الجغرافيا والديمغرافيا، في ظل الكثافة السكانية المرتفعة في القطاع.
ويوضح لـ" العربي الجديد"، أن أكثر من 2.
2 مليون فلسطيني يعيش على مساحة محدودة لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً قبل حرب الإبادة في السابع من أكتوبر 2023.
وفي رأيه فإذا استمرت إسرائيل في السيطرة على ما بين 60% و70% من مساحة القطاع، فإن السكان سيُحشرون في أقل من 35% إلى 40% من مساحته، ما ستكون له تداعيات إنسانية ومعيشية كارثية.
ويعتبر الدجني أن هذا التمدد يكشف بصورة أوضح الأهداف الإسرائيلية، ولا سيما بعد تصريحات نتنياهو، التي وصف فيها هذه المناطق بأنها جزء من" غلاف غزة" (المستوطنات المحيطة بالقطاع)، بما يوحي بمحاولة تكريسها أمراً واقعاً دائماً، وليس مجرد مناطق قد تُخلى في إطار أي اتفاق لوقف إطلاق النار أو ترتيبات مستقبلية.
حسام الدجني: السياسات الإسرائيلية تتزامن مع تعثر المفاوضات التي يقودها الوسطاء والضامنونويعكس إبقاء هذه الكتلة السكانية الكبيرة داخل مساحة ضيقة، بالتزامن مع استمرار عمليات القتل والتجويع، والتحكم في دخول المساعدات الإنسانية، وشح المياه، بحسب الدجني، استمرار مشروع التهجير بصورته غير المباشرة، وذلك من خلال جعل الحياة في القطاع غير قابلة للاستمرار ودفع السكان إلى فقدان أي أفق للمستقبل.
ويشير إلى أن هذه السياسات تتزامن مع تعثر المفاوضات التي يقودها الوسطاء والضامنون، بما في ذلك الجهود الرامية إلى التوصل لصيغة مقبولة تضمن حقوق الشعب الفلسطيني، ما يزيد من تعقيد المشهد ويمنح الاحتلال مزيداً من الوقت لترسيخ الوقائع الميدانية التي يسعى إلى فرضها.
من جهته يقول المختص الفلسطيني بالشأن الإسرائيلي حسن لافي، إن هناك تسارعاً واضحاً في سياسة الاحتلال الرامية إلى قضم مساحات واسعة من القطاع، موضحاً لـ" العربي الجديد" أن" الخط الأصفر" توسّع حالياً ليصل إلى عتبات 70% من مساحة قطاع غزة.
ويضيف أن هذا التوسع يعكس استراتيجية إسرائيلية كانت قائمة منذ البداية لتوسيع هذه المناطق وإفراغها من سكانها.
وشدد لافي على أن الاحتلال لم يُخفِ منذ الأيام الأولى للحرب نيته إحداث تغيير جذري في البيئة الاستراتيجية لقطاع غزة، عبر السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي مع إبعاد سكانها، وذلك بهدف إنشاء حزام أمني دائم يحمي المستوطنات المحاذية للقطاع ويحول، وفق الرواية الإسرائيلية، دون تكرار هجوم السابع من أكتوبر 2023.
حسن لافي: الذرائع الأمنية التي تطرحها تل أبيب تخفي في جوهرها مشروعاً يستهدف تهجير الفلسطينيين بوصفه أحد أبرز الأهداف الاستراتيجية للحربوفي رأيه فإن الذرائع الأمنية التي تطرحها تل أبيب تخفي في جوهرها مشروعاً يستهدف تهجير الفلسطينيين، معتبراً أن هذا الهدف يمثل أحد أبرز الأهداف الاستراتيجية للحرب.
ويوضح أن حصر سكان غزة في مساحة لا تتجاوز 30% من مساحة القطاع يخدم الاحتلال على مستويين؛ الأول يتمثل في إبقاء الضغط العسكري والإنساني على الفلسطينيين، بما يضعف موقفهم التفاوضي ويمنعهم من استعادة مقومات الصمود أو امتلاك أوراق قوة.
أما المستوى الثاني فيكمن، وفق لافي، في تهيئة الظروف لمخططات التهجير، عبر جعل الحياة في القطاع غير قابلة للاستمرار من خلال تدمير مقومات العيش وإجهاض أي فرصة لإعادة الإعمار أو الاستقرار.
وبشأن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة حول مستقبل قطاع غزة، يبيّن لافي أنها تأتي في سياقين متوازيين، الأول يعكس وجود توافق بين المؤسسة العسكرية والمستوى السياسي الإسرائيليَيْن، على تنفيذ هذا المخطط ميدانياً.
أما الثاني فيرتبط باعتبارات السياسة الداخلية الإسرائيلية، إذ تُستخدم هذه المواقف في إطار الخطاب الموجّه للجمهور الإسرائيلي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
ويشير لافي إلى أن هذه السياسات سيكون لها تأثير مباشر على أي اتفاق لوقف إطلاق النار، لأنها تمنح الاحتلال فرصة لفرض وقائع ميدانية تعرقل تنفيذ البنود المتعلقة بالانسحاب وإعادة الإعمار.
كما تؤدي عملياً، في رأيه، إلى إفراغ الاتفاق من مضمونه بالنسبة للفلسطينيين، مع الإبقاء عليه في إطار يخدم الشروط الإسرائيلية، وفي مقدمتها الدفع نحو نزع سلاح المقاومة الفلسطينية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك