عادت مفاوضات إنهاء الحرب في السودان إلى واجهة المشهد، بعد تضارب واسع فى التصريحات والتقارير بشأن مدى التقدم الذى أحرزته المبادرة الأمريكية الهادفة إلى التوصل إلى هدنة إنسانية وخارطة طريق للسلام.
وبينما أعلنت الدعم السريع موافقتها على هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر مع تمسكها برفض الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها، خرجت واشنطن برسالة واضحة تنفى صحة ما تردد عن التوصل إلى تفاهمات نهائية أو حسم معظم القضايا الخلافية، مؤكدة أن المفاوضات لا تزال تواجه ملفات جوهرية لم يتم الاتفاق عليها.
بولس ينفى حسم المفاوضات ويؤكد استمرار الخلافاتفى أول تعليق مباشر على ما تردد بشأن تقدم المفاوضات، أكد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشئون العربية والأفريقية، أن عدداً من التقارير والتعليقات الأخيرة قدمت صورة غير دقيقة عن مسار المفاوضات الخاصة بالسودان.
وقال بولس عبر منصة إكس: " لقد أساءت بعض التعليقات والتقارير الأخيرة توصيف الجهود الجارية للتفاوض بشأن هدنة إنسانية وخطة سلام للسودان، فالادعاءات الأخيرة بأن جميع القضايا الجوهرية قد تم قبولها بالكامل غير صحيحة، وكذلك الادعاءات بأن هناك قضية واحدة فقط متبقية دون حسم".
وتابع: " وما زلنا نواصل المناقشات ونحث الأطراف المعنية على النظر في مقترحات محددة، في ظل وجود عدد من القضايا الجوهرية التي لم يتم قبولها بعد أو قوبلت برفض صريح، وأى اتفاق يتم التوصل إليه سيتم الإعلان عنه رسميا".
وتابع بولس: " وحتى ذلك الحين، فإن التعليقات العامة أو التكهنات أو الوثائق المزعومة التي تشير إلى وجود اتفاق أو إلى أن بعض القضايا قد تم حسمها ليست رسمية ولا تساعد في دفع المسار المنشود إلى الأمام، ويظل تركيزنا منصباً على تيسير انخراط الأطراف في حوار جاد وبناء يقود إلى هدنة إنسانية وخطة لتحقيق سلام شامل ومستدام وانتقال سياسى فى السودان".
" الدعم السريع" يعلن الموافقة على الهدنة ويرفض الانسحابفى المقابل، كشفت مصادر بقيادة الدعم السريع، أن الحركة سلمت ردها الرسمى إلى المبعوث الأمريكى مسعد بولس، متضمناً موافقة على هدنة إنسانية غير مشروطة لمدة 90 يوماً، مع تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين فى دارفور وكردفان والنيل الأزرق وجبال النوبة تحت إشراف الأمم المتحدة، وفقا لصحيفة سودان تربيون.
لكن الرد تضمن أيضاً رفضاً واضحاً للانسحاب من المناطق التى تسيطر عليها القوات حالياً، باعتبار أن تلك المناطق أصبحت جزءاً من الواقع الميدانى الذى يجب أن تنطلق منه أى تسوية مستقبلية، وليس العودة إلى خطوط السيطرة السابقة للحرب.
ويمثل هذا الموقف أحد أبرز نقاط الخلاف مع الحكومة السودانية التى تشترط انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المناطق التى سيطرت عليها منذ مايو 2023 قبل أى ترتيبات سياسية أو أمنية.
إعادة هيكلة الجيش ضمن أبرز المطالبوتضمنت رؤية الدعم السريع، وفقاً للمصدر، إعادة تأسيس المؤسسة العسكرية بالكامل عبر إنشاء جيش وطنى جديد يضم ممثلين من مختلف أقاليم السودان وفق نسب سكانية تحقق ما تصفه الحركة بالتوازن والعدالة.
كما طالبت باستبعاد المنتمين لحزب المؤتمر الوطنى من المؤسسات العسكرية والأمنية ومن أى عملية سياسية مستقبلية، إلى جانب حل جهاز الأمن والمخابرات وإعادة بناء المؤسسات الأمنية وفق ترتيبات المرحلة الانتقالية.
وفى ملف العدالة، شددت الرؤية على ضرورة إجراء تحقيق مستقل فى الانتهاكات المرتبطة بالحرب منذ اندلاعها فى 15 أبريل 2023، مع التعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية وتسليم المطلوبين لديها.
الخرطوم تتمسك بالسيادة وترفض التسريباتفى المقابل، أعلن مجلس الأمن والدفاع السودانى، برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، اعتماد الرد الرسمى على الوسطاء، مؤكداً استمرار انفتاح الحكومة على جهود السلام، شريطة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة مقترحات أراضيه.
كما نفى المجلس صحة ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعى بشأن تفاصيل الرد السودانى أو ما وصفه بتسريبات حول المفاوضات، داعياً إلى الاعتماد على البيانات الرسمية فقط، وعدم نشر معلومات قد تؤثر على فرص نجاح العملية السياسية.
ويؤكد هذا الموقف توافقاً مع ما أعلنه الجانب الأمريكى بشأن عدم صحة الوثائق أو التسريبات المتداولة حول سير المفاوضات.
خلافات جوهرية تعرقل الاتفاقورغم توافق الطرفين على أهمية وقف المعاناة الإنسانية، فإن الخلافات لا تزال واسعة بشأن عدد من الملفات الأساسية، أبرزها: مستقبل انتشار القوات والانسحاب من المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، وإعادة هيكلة الجيش السودانى، وشكل السلطة الانتقالية المقبلة، العدالة الانتقالية والمساءلة عن جرائم الحرب، وإصلاح المؤسسات الأمنية والمدنية، ومشاركة القوى السياسية فى المرحلة الانتقالية.
وتشير هذه الملفات إلى أن المفاوضات تجاوزت مجرد الترتيبات الإنسانية، لتدخل فى صلب مستقبل الدولة السودانية وشكل النظام السياسى بعد الحرب.
يرى مراقبون أن إعلان الدعم السريع استعداده لقبول هدنة إنسانية يمثل تطوراً إيجابياً نسبياً، إلا أن تمسكه برفض الانسحاب من مناطق سيطرته يقابله إصرار الحكومة السودانية على الانسحاب الكامل قبل الدخول فى أى ترتيبات سياسية، وهو ما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق شامل لا تزال محدودة فى الوقت الراهن.
كما يعكس بيان مسعد بولس رغبة الإدارة الأمريكية فى احتواء موجة التسريبات التى رافقت المفاوضات، والتأكيد أن أى تقدم حقيقى لن يتم الإعلان عنه إلا عبر القنوات الرسمية، حفاظاً على فرص نجاح الوساطة، وفقا لوسائل إعلام محلية.
وتكشف التصريحات الأمريكية الأخيرة وردود أطراف النزاع أن مسار السلام فى السودان لا يزال فى مرحلة دقيقة، وأن الحديث عن اتفاق نهائى أو حسم الملفات الخلافية سابق لأوانه.
وبين موافقة مبدئية على هدنة إنسانية، وتمسك كل طرف بشروطه السياسية والعسكرية، تبقى الوساطة الدولية أمام اختبار صعب يتمثل فى تحويل التفاهمات الإنسانية إلى اتفاق سياسى شامل ينهى الحرب ويفتح الباب أمام انتقال سياسى مستدام يعيد الاستقرار إلى السودان.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك