العربي الجديد - بيلنغهام ينفي شجاره مع ميسي: من الشرف اللعب ضده القدس العربي - تل أبيب.. الكشف عن محاولة داخل “الليكود” للإطاحة بنتنياهو بعد 7 أكتوبر العربية نت - إنجاز عسكري.. إطلاق أول صاروخ بعيد المدى من مسيرة أميركية القدس العربي - مصادر: إيران طلبت من الحوثيين إغلاق باب المندب إذا قصفت أمريكا شبكة الكهرباء Independent عربية - الأسهم العالمية تتباين مع موسم النتائج وسط التوترات beIN SPORTS-YouTube - no title وكالة الأناضول - العدوان يتوسع.. غزة ساحة العمليات الرئيسية للجيش الإسرائيلي حاليا DW عربية - أبوة سياسي ألماني بارز تثير الجدل حول الأمومة البديلة التلفزيون العربي - الاحتلال يواصل قضم غزة.. 5 شهداء جراء الغارات الإسرائيلية سكاي نيوز عربية - "أرادوا استمرار الحرب".. فانس يكشف ضغطا إسرائيليا على واشنطن
عامة

بين دعوات المقاطعة ومبادرات السلم الأهلي في سوريا... ما الذي يقود إلى العدالة؟

تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا منذ ساعتين
1

(كي أكون مواطناً سورياً صالحاً، ما المطلوب مني اليوم؟ هل أحتسي قهوتي صباحاً مع جاري الجديد في دمشق، أم أقاطعه وأمتنع عن إلقاء التحية عليه؟ )، يتساءل عبد الله أبو شعر، وهو تاجر يتنقل بحكم عمله بين سرمد...

(كي أكون مواطناً سورياً صالحاً، ما المطلوب مني اليوم؟ هل أحتسي قهوتي صباحاً مع جاري الجديد في دمشق، أم أقاطعه وأمتنع عن إلقاء التحية عليه؟ )، يتساءل عبد الله أبو شعر، وهو تاجر يتنقل بحكم عمله بين سرمدا في ريف إدلب ودمشق، في اختصار لحالة الحيرة التي يعيشها كثير من السوريين في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد.

ففي الوقت الذي تتصاعد فيه عبر منصات التواصل الاجتماعي دعوات إلى المقاطعة على أسس طائفية أو مناطقية، والتي يبررها أصحابها بأنها موقف أخلاقي مؤقت إلى حين تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، تتواصل في المقابل فعاليات وورش عمل وندوات تنظمها مؤسسات رسمية ومنظمات مجتمع مدني تحت عناوين مثل" بناء الثقة" و" تعزيز السلم الأهلي" و" الحوار المجتمعي"، في محاولة لإعادة ترميم العلاقات بين السوريين.

حول هذين الخطابين، لم يعد الجدل محصوراً في منصات التواصل الاجتماعي أو قاعات الندوات، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من العلاقات بين الجيران وزملاء العمل، إلى خيارات السكن والتجارة والشراكات الاقتصادية.

هو بمعنى آخر جدل بين طرف يرى في المقاطعة موقفاً أخلاقياً يرفض القفز فوق آلام الضحايا، وطرف ثان يعتبرها شكلاً من أشكال العقاب الجماعي الذي يهدد بإعادة إنتاج الانقسام، وفي خضم هذا الجدل يجد سوريون كثيرون أنفسهم أمام أسئلة لم تكن مطروحة خلال سنوات الثورة بهذه الجديّة والحدّة معاً.

يحاول هذا التحقيق تتبع جذور هذا الانقسام، ورصد تنامي دعوات المقاطعة في مقابل تصاعد مبادرات السلم الأهلي، والاستماع إلى أصوات مؤيدة ومعارضة، وإلى خبراء في العدالة الانتقالية، لفهم ما إذا كانت سوريا تقف اليوم أمام خيارين متناقضين، أم أن العدالة والمصالحة ليستا طريقين متنافسين، بل مسارين لا يمكن أن ينجح أحدهما من دون الآخر.

انقسام في الخطاب.

يتجاوز منصات التواصللم تعد دعوات المقاطعة تقتصر على منشورات متفرقة أو ردود فعل عابرة، بل تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى خطاب متكرر في الفضاء الرقمي السوري، يدعو في بعض الأحيان إلى مقاطعة اجتماعية أو اقتصادية على أسس طائفية أو مناطقية، ويقدم نفسه بوصفه وسيلة سلمية للضغط من أجل تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

وفي المقابل، شهدت مدن سورية عدة انعقاد المؤتمرات وورش العمل والندوات بهدف الإسهام في محاولة معالجة آثار سنوات الصراع وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي.

ومن الطبيعي أن يؤدي هذا التزامن بين الظاهرتين (اتساع خطاب المقاطعة من جهة، وتزايد المبادرات الداعية إلى التعايش من جهة أخرى) إلى طرح تساؤلات مجتمعية تتجاوز الخطاب السياسي، لتصل إلى الحياة اليومية للسوريين، ويصير تأثيرها واضحاً في علاقات الجيرة والعمل والتجارة، ولا عجب أن تفرض على كثيرين إعادة التفكير في طبيعة علاقتهم بالآخر، وفي تلمس الحدود الفاصلة بين المطالبة بالعدالة والحفاظ على السلم الأهلي.

المقاطعة.

موقف أخلاقي أم عقوبة مجتمعية؟بالنسبة لمؤيدي المقاطعة، فإن ما يُطرح اليوم لا يتعلق جميعه بالكراهية أو الرغبة في تعميق الانقسام، بل بموقف يراه البعض أخلاقياً في المقام الأول.

إذ يعتقدون أن سنوات الحرب وما رافقها من قتل واعتقال وتهجير جعلت من الصعب، وربما من المستحيل بالنسبة إليهم، العودة إلى علاقات اجتماعية أو اقتصادية طبيعية مع أشخاص يرون أنهم برروا الانتهاكات أو التزموا الصمت تجاهها.

يقول" ربيع"، الذي يقيم في جديدة عرطوز في ريف دمشق ولم يستطع حتى الآن العودة إلى بيته المدمّر في منطقة المخيم خلال سنوات الحرب: (المقاطعة ليست طائفية ولا كراهية، هي ببساطة الحد الأدنى من الوفاء لدم الشهداء والمعتقلين.

لا نطلب من أحد حمل السلاح، لكن كيف يُعقل أن نجلس على طاولة واحدة أو نتشارك في تجارة مع أشخاص برروا مقتلة أهلنا؟ وما زال بعضهم يتسترون على المجرمين؟ ).

ولا يقتصر هذا الموقف على العلاقات الاجتماعية، بل يمتد إلى الجانب الاقتصادي أيضاً.

فأبو يزن، وهو تاجر مهجّر من ريف حلب، انتقل للعمل في ريف دمشق قبل التحرير، يقول: (كل إنسان حر أين يضع ماله، وأنا لم أعد مجبراً على التعامل الاقتصادي مع أطراف حمت الجناة لسنوات وما زالت تنكر مسؤوليتهم الجرمية.

مالي ورزقي لن يذهبا لمن أسهم في تهجيري وتدمير منزلي أو أظهر تأييده العلني للمجرمين.

إذا أرادت تلك المكونات عودة العلاقات معنا، عليها إخراج المجرمين من بينها أولاً وتسلمهم للقضاء، وحينها فقط سأفتح لهم قلبي ودكانتي).

ويذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن أي دعوة إلى استئناف العلاقات الاجتماعية قبل كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات تمثل تجاوزاً لحقوق الضحايا.

" أمجد المحمد"، وهو أحد أقارب ضحايا الاعتقال، استنكر سؤالنا عن السلم الأهلي وحق الجميع فيه، قائلاً: (عن أي تعايش وتسامح تتحدثون؟ دماء شهدائنا لم تجف بعد، وآلاف المعتقلين ما زالوا مجهولي المصير.

من يطالبنا اليوم بفتح صفحة جديدة ونسيان الماضي هو شريك في الجريمة ويمارس خيانة علنية للضحايا).

لم يقبل" أمجد" أن ينتقده أحد على موقفه، بل هو متمسك برأيه في أن (مقاطعة كل من ساند القاتل، أو صمت عن الجريمة، أو يبررها اليوم، هي أقل الواجبات الأخلاقية.

لن نصافح يداً ملطخة بالدماء، ولن نقبل وصف رفض الاعتراف بما جرى بأنه مجرد اختلاف في الرأي).

هل المقاطعة تعمّق الانقسام؟مقابل الشارع الذي يرى أن المقاطعة تمثل وسيلة ضغط مدنية إلى حين تحقيق العدالة، يحذر آخرون من أن توسيع دائرة الاتهام بالجرائم وتحميل مسؤوليتها لجماعات أو مكونات اجتماعية بأكملها قد يقود إلى نتائج معاكسة، ويهدد بإعادة إنتاج الانقسام الذي يسعى السوريون إلى تجاوزه بعد سنوات الحرب.

وبالنسبة لمؤيدي مبادرات السلم الأهلي، فالدعوات إلى المقاطعة، ومهما كانت دوافعها، قد تتحول مع مرور الوقت إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي، بدلاً من حصر المسؤولية والعقاب في مرتكبي الانتهاكات، وبرأي كثيرين فإن" أسوأ ما في المقاطعة أنها ستبقى تغذي مشاعر الخوف والانعزال بين السوريين، وهذا ما لا يريده أحد بعدما تخلصت سوريا من مستبديها ومجرميها".

تقول" لينا عساف"، وهي ناشطة في فعاليات المجتمع المدني، وسبق لها المشاركة في عدد من مبادرات الحوار، في حديث لموقع تلفزيون سوريا (ما نراه اليوم من دعوات للمقاطعة الشاملة هو عقاب جماعي مبطن يعيد إنتاج لغة الحرب والانقسام.

العدالة والمحاسبة مطلب أساسي، لكنها يجب تطبيقها عبر مساءلة قانونية للمتهمين والمشتبه بهم، وليس عبر عزل مجتمعات كاملة.

المقاطعة لن تفعل شيئاً جيداً للسوريين، هي فقط ستعزز الهويات الخائفة وسرديات المظلومية، وهذا أكبر تهديد للسلم الأهلي الذي نحاول بناءه).

ويتفق معها" رامي"، وهو ناشط مدني في مجال بناء مبادرات السلام، إذ يرى أن استمرار القطيعة الاجتماعية لن يسهم في بناء دولة مستقرة، ويقول: (سوريا المستقبل يجب أن تتسع للجميع، والاستمرار في سياسة المقاطعة يعني تأجيل الانفجار القادم لا أكثر.

إذا قاطعنا بعضنا اليوم في السكن والعمل والتجارة، فكيف سنبني دولة مواطنة واحدة؟ نحن بحاجة إلى حوار مباشر يواجه مخاوف الجميع، والتسامح لا يعني نسيان الماضي، بل يعني حماية المستقبل من الدمار مجدداً).

ولا يقتصر الحديث عن الحوار واستعادة الثقة على الخطابات والتصريحات، بل يجد ترجمته أيضاً في سلسلة من المؤتمرات وورش العمل والمبادرات المدنية التي شهدتها سوريا خلال السنة الماضية تحت عناوين عدة، من قبيل" السلم الأهلي"، و" بناء الثقة"، و" الحوار المجتمعي".

وقد لاحظنا إجماع أغلب منظمي هذه المبادرات على أن إعادة بناء العلاقات بين السوريين لا يمكن أن تنتظر اكتمال المسارات السياسية، وأن فتح قنوات الحوار بين المجتمعات المحلية يمثل خطوة ضرورية للحد من آثار الانقسام ومنع انتقاله إلى الأجيال القادمة.

ومن بين هذه الفعاليات، نظمت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل نهاية العام الماضي، بالتعاون مع المنظمة الفنلندية للإغاثة (FCA)، ورشة وطنية بعنوان" السلم الأهلي.

التحديات المحلية وخارطة الطريق الوطنية" في ريف دمشق، ناقشت قضايا الأمن المجتمعي، وبناء الثقة، وحكم القانون، ودور المجتمعات المحلية في ترسيخ الاستقرار.

ثم احتضنت جامعة دمشق في العام الحالي، بالتعاون مع منظمة" لأجل وطن"، فعالية" نبض وطن" التي ركزت على دور الفنون والثقافة في تعزيز السلم الأهلي، بينما استضافت مدينة حلب في يونيو/ حزيران ندوة بعنوان" العدالة الانتقالية في سوريا بين الحقيقة والمحاسبة والمصالحة الوطنية"، تناولت العلاقة بين كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وإمكانية الوصول إلى مصالحة مجتمعية مستدامة.

ومع أن الإقبال على هذه المبادرات، والسماح بقيامها أيضاً، يعكس اتجاهاً متنامياً لدى مؤسسات رسمية ومنظمات مجتمع مدني نحو الاستثمار في الحوار بوصفه أداة لإعادة ترميم النسيج الاجتماعي.

إلا أن تزامنها مع استمرار انتشار دعوات المقاطعة يطرح تساؤلات جادّة حول مدى قدرة هذه المبادرات على إحداث أثر فعلي في مجتمع ما زالت ذاكرته مثقلة بسنوات الحرب والانتهاكات.

ورغم تزايد هذا النوع من المبادرات، لا تتوافر حتى الآن مؤشرات أو دراسات منشورة تقيس أثرها الفعلي على مواقف السوريين أو مستوى الثقة بين المكونات المجتمعية.

ومع أن الجهات المنظمة تلتزم عادة بإعلان أهدافها المتمثلة في تعزيز الحوار والحد من خطاب الكراهية وإعادة بناء جسور التواصل، إلا أن تقييم النتائج ما يزال يعتمد في معظمه على انطباعات المشاركين أكثر من اعتماده على أدوات قياس علمية.

لذلك، لا يبدو أن أنشطة الحراك المدني قد نجحت حتى الآن في إخماد الجدل الدائر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تستمر دعوات المقاطعة في الظهور بالتوازي مع الدعوات إلى الحوار، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقاً، هل تكفي المبادرات المجتمعية وحدها لإعادة بناء الثقة، أم أن المشكلة تكمن في غياب العدالة التي يطالب بها كثير من السوريين قبل أي حديث عن المصالحة؟العدالة أولاً.

أم التعايش؟وسط هذا الانقسام، يقدم متخصصون في العدالة الانتقالية مقاربة مختلفة، تقوم على أن المفاضلة بين العدالة والتعايش قد تكون في حد ذاتها سؤالاً خطأ، لأن كليهما يرتبط بالآخر ارتباطاً وثيقاً.

الأستاذ" أنس حمدان"، وهو حقوقي مهتم بمشكلات العدالة الانتقالية وأطرها القانونية، يرى أن (العلاقة بين الاعتراف بالانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، والمصالحة المجتمعية، ليست علاقة خطية، بل عملية معقدة لا يمكن فصل عناصرها عن بعضها).

ويشير حمدان في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أهمية أن لا يتم تصوير محاسبة المجرمين كشكل من أشكال الانتقام منهم، بل إعادة الاعتبار لسيادة القانون، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، مؤكداً أن الإسراع في تحقيق ذلك هو ما سيحد من الدعوات إلى المقاطعة الشاملة والعقاب الجماعي.

ويلخص الأستاذ حمدان رؤيته بالقول: (حين يشعر الضحايا أن الحقيقة كُشفت، وأن العدالة أخذت مجراها، يصبح المجتمع أكثر قدرة على الانتقال من التعايش الحذر إلى السلم الأهلي المستدام.

أما تجاوز هذه المراحل، فلن يؤدي إلا إلى سلام هش يخفي أسباب النزاع بدلاً من معالجتها).

في الإجابة عن هذا السؤال، يقول الأستاذ محمد شحرور، استشاري علم النفس الاجتماعي ومدير معهد الإيمان للدعم النفسي والاجتماعي: (إن استعادة الثقة في المجتمعات الخارجة من النزاعات لا تتحقق بمجرد تنظيم الندوات أو إطلاق المبادرات، لأن آثار الصراعات العنيفة تمتد إلى الوعي الجمعي، وتنعكس على العلاقات اليومية بين الأفراد).

أما عن تأثير الصدمات في إعادة تشكيل المجتمع فيقول شحرور لموقع تلفزيون سوريا: (إن الفرد، بعد التعرض لصدمات متكررة، يميل إلى الاحتماء بالجماعة الأقرب إليه، سواء كانت عائلية أو مناطقية أو طائفية أو إثنية، لأنها تمنحه شعوراً بالحماية في ظل تراجع الإحساس بالأمان).

ويضيف أن المجتمع السوري عرف أشكالاً مختلفة من هذا الانكفاء حتى قبل الحرب، إلا أن سنوات الصراع عززت هذه الظاهرة ووسعت نطاقها.

ويشير إلى أن هذه الجماعات قد تبدو أكثر تماسكاً من الخارج، لكنها في الواقع تعيش مستويات مرتفعة من القلق والتوجس، الأمر الذي يجعل أفرادها أكثر هشاشة نفسياً وأكثر ميلاً إلى تجنب الاحتكاك بالآخرين، محذراً من أن استمرار هذا الانغلاق قد ينعكس على الصحة النفسية للأفراد ويزيد من صعوبة استعادة الثقة داخل المجتمع.

في سياق آخر، يؤكد شحرور أن إعادة بناء الثقة ليست مسؤولية الدولة أو منظمات المجتمع المدني وحدها، بل هي (مسؤولية مشتركة تبدأ من المجتمع المحلي، عبر الأعيان، والقيادات المجتمعية، ودور العبادة، والأنشطة الاقتصادية المشتركة التي تتيح للأفراد العمل والتفاعل معاً في إطار مصالح يومية تجمعهم).

ويشدد على أن الثقة لا تُبنى عبر الاتفاقات السياسية وحدها، بل من خلال شعور الناس بأن القانون يطبق على الجميع دون تمييز، وأن المسؤولية عن الانتهاكات مسؤولية فردية وليست جماعية، إلى جانب توفير مساحات صغيرة وآمنة للتعاون والحوار، لأن التجارب اليومية المشتركة، مهما بدت بسيطة، قادرة على ترميم ما هدمته سنوات الصراع.

الشارع بين المقاطعة والتعايشبالنسبة لعبد الله أبو شعر، الذي بدأ التحقيق بسؤاله، لا تبدو المسألة نظرية أو سياسية، بل سؤالاً يواجهه في حياته اليومية بحكم تنقله المستمر بين دمشق وسرمدا.

يقول (إن الجدل لم يعد يدور حول المواقف والآراء العامة، بل أصبح ينعكس على أبسط تفاصيل العلاقات الإنسانية، من اختيار الشريك التجاري، إلى زيارة الأصدقاء، وحتى إلقاء التحية على الجيران الجدد).

ولا يكشف الجدل الدائر بين دعاة المقاطعة وأنصار السلم الأهلي عن خلاف حول وسائل الخروج من آثار الحرب فحسب، بل يعكس أيضاً اختلافاً أعمق في فهم معنى العدالة نفسها.

فبين من يرى أن استعادة العلاقات لا يمكن أن تسبق محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومن يعتقد أن استمرار القطيعة يهدد بإنتاج انقسامات جديدة، تبدو الحقيقة الوحيدة التي تجمع معظم الآراء التي رصدها هذا التحقيق هي أن المجتمع السوري ما زال في بداية طريقه نحو مستقبل يتسع للجميع.

وبين العدالة التي يطالب بها الضحايا، والثقة التي يسعى إليها دعاة الحوار، لا تبدو المسألة خياراً بين طريقين متعارضين، بقدر ما هي محاولة للعثور على معادلة تضمن ألا تتحول العدالة إلى انتقام، وألا يتحول التعايش إلى نسيان.

ولا شك أن نجاح مسار تعزيز الحوار وبناء السلم الأهلي سيبقى مرهوناً في نهاية المطاف بقدرته على الجمع بين كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين من جهة، وصون كرامة الضحايا، وحماية الأبرياء من جهة أخرى.

حينها يمكن فتح المجال أمام مجتمع أنهكته الحرب ليعيد بناء نفسه على أسس من المواطنة وسيادة القانون، لا على الخوف أو الإقصاء.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك