لا يزال آلاف البحارة يواجهون أخطاراً حقيقية تهدد حياتهم في مضيق هرمز، مع استمرار الهجمات الإيرانية الممنهجة التي تستهدف السفن التجارية على السواحل العمانية، وفي أكثر ممرات العالم حساسية.
هذا الواقع الأمني المتوتر فرض تحدياً استثنائياً على شركات الملاحة العالمية، وحول العبور عبر هذا الشريان الحيوي إلى معادلة جغرافية معقدة ومحفوفة بالأخطار، إذ يجد قباطنة السفن أنفسهم اليوم أمام ثلاثة خيارات ملاحية مريرة، أحلاها ذو عواقب وخيمة.
أول هذه الخيارات هو سلوك الممر العماني كمسار بديل يحاذي سواحل السلطنة بالكامل ويمر شمال مسندم، وهو المسعى الذي قوبل برفض من قبل الجانب الإيراني، إذ تسعى طهران الآن جاهدة لخنقه بالصواريخ والمسيرات بهدف إفراغه من الحركة وإفشاله تماماً، كرد فعل على طرحه.
أما الخيار الثاني فيتمثل في الانحياز نحو الممر الإيراني داخل مياهها الإقليمية، الذي يفرض على السفن الإذعان الكامل لشروط طهران والعبور بموافقتها وتحت رقابة حرسها الثوري.
وأخيراً، يبرز خيار الممر الدولي المشترك الذي يقع وسط المضيق، وتحول عملياً إلى حقل ألغام بحرية ومسرح للاستهداف المباشر بوابل من الصواريخ والطائرات المسيرة.
وأمام هذه التهديدات، حذرت الأمم المتحدة من" عواقب اجتماعية واقتصادية وإنسانية وخيمة" في حال تعطلت حركة الملاحة بالمضيق، واصفة إياه بأنه" شريان حياة حيوي يعتمد عليه ملايين البشر" لتأمين الغذاء، والدواء، والسلع الأساس.
لكن على الأرض تبدو المناورة مستحيلة، إذ جاء التحذير الأممي متزامناً مع إعلان الحرس الثوري الإيراني أن مضيق هرمز سيبقى مغلقاً" حتى تنهي الولايات المتحدة هجماتها"، في وقت أعادت واشنطن فرض حصارها البحري الصارم على موانئها لتضييق الخناق الاقتصادي عليها.
وفي خضم هذا الصراع، تكشف تقارير يومية لرصد حركة الملاحة في مضيق هرمز، صادرة عن منصة" مارين ترافيك" العالمية بالتعاون مع شركة" كبلر" لذكاء البيانات، عن واقع تشغيلي بالغ القسوة يواجهه البحارة منذ مارس (آذار) الماضي.
وتحدثت لغة الأرقام بوضوح عن تسجيل 56 حادثة بحرية مؤكدة، أسفرت عن سقوط 18 قتيلاً في صفوف الطواقم منذ بدء الهجمات في مارس الماضي وحتى منتصف يوليو (تموز) الجاري.
وأمام هذه التهديدات الأمنية المتزايدة، اضطرت شركات الشحن العالمية إلى إعادة توزيع حركة عبور سفنها، وتغيير مساراتها التقليدية داخل المضيق الذي يعد العصب الرئيس لنقل الطاقة عالمياً.
واللافت في توزيع هذه الهجمات جغرافياً أنها تركزت قبالة السواحل العمانية بصورة مكثفة، إذ يهدف هذا التركيز المتعمد إلى شل مبادرة مسقط بإغلاق وتخريب المسار البديل، الذي كان يفترض أن يكون الملاذ الآمن والمسار الدولي الهادئ للسفن، وتحويله إلى ما يشبه" المصيدة" الخطرة لقاصديه، لدفعهم قسراً باتجاه المياه الإيرانية.
وقد تجسد هذا المخطط بدقة في البيانات الملاحية المتتابعة بين الـ13 والـ15 من يوليو الجاري، فمن أصل 44 سفينة عبرت المضيق خلال هذه الأيام الثلاثة، استحوذ المسار الإيراني على حصة الأسد بواقع 28 سفينة منها ناقلات ترفع العلم الإيراني وأخرى مرخصة وخاضعة لعقوبات أميركية.
في حين تهاوى المسار العماني بالكامل، مسجلاً" عبوراً صفرياً" في يومي الـ13 والـ14 من يوليو الجاري، قبل أن يشهد حركة يتيمة وخجولة لسفينة واحدة فقط أمس الأربعاء، بينما توزعت السفن الـ15 المتبقية بين ممر المنظمة البحرية الدولية المشترك ومسارات مبهمة لسفن آثرت إغلاق أنظمة تتبعها لتفادي الاستهداف.
ويعزو الخبراء هذا الشلل الجذري في الطريق العماني وتفضيل شركات الشحن للمياه الإيرانية إلى المخاوف المتزايدة على سلامة الطواقم، وأخطار التأمين المرتفعة للغاية قبالة سواحل السلطنة نتيجة الهجمات الأخيرة، مما يجبر المشغلين على الإذعان لشروط طهران والمرور تحت رقابتها لتفادي الاستهداف المباشر.
تفاصيل هجمات الأيام الماضية ومأساة" البهية"ويعزز هذا التدهور الأمني قبالة عمان ما وثقته المنظمة البحرية الدولية من ثلاث هجمات متتالية استهدفت سفناً تجارية، إذ طال الهجوم الأول السفينة" ستولت ماغنيسيوم" في الـ13 من الشهر الجاري، تلاه هجومان في الـ14 من الشهر ذاته استهدفا السفينتين" مومباسا بي" و" البهية".
وكانت السفينة" البهية" من أبرز الحوادث في هذه السلسلة الدامية، إذ تعرضت لأضرار بالغة على بعد 13 ميلاً بحرياً فقط قبالة السواحل العمانية، وفي عمق المسار البديل المقترح.
ومع أن الحادثة لم تسفر عن تلوث بيئي، فإنها أسفرت عن مقتل بحارين اثنين من طاقمها، ليرتفع إجمال ضحايا الهجمات إلى 18 قتيلاً مؤكداً بين البحارة منذ مارس الماضي، وفقاً لبيانات المنظمة المحدثة حتى الـ15 من يوليو الجاري، دون تسجيل هجمات مادية جديدة بحلول الـ16 من الشهر ذاته.
وعلى رغم هذه الأخطار المحدقة واصلت السفن التجارية عبورها الحذر، إذ شهدت حركة الشحن خلال هذين اليومين نقل حمولات متنوعة شملت النفط الخام، والغاز البترول المسال والميثانول وخام الحديد، إضافة إلى شحنات الأسمدة والفحم وثنائي بروبيلين الصوديوم، مع انحراف ملاحي طفيف باتجاه الشرق والغرب.
الممر العماني.
مبادرة استراتيجية لكسر الهيمنةوفي مواجهة هذه التهديدات المتصاعدة، كانت مسقط قد تقدمت بمبادرة استراتيجية بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية (IMO)، تتيح من خلالها" ممر عبور موقتاً" يقع بالكامل داخل مياهها الإقليمية السيادية.
وتهدف هذه المبادرة إلى توفير بديل آمن ومستقر يضمن حرية الملاحة للسفن التجارية، بعيداً من الاستفزازات العسكرية في الضفة الشمالية للمضيق، ودون فرض أي رسوم على حق العبور المقرر قانوناً، مما يجعله خطوة استراتيجية لكسر الهيمنة الأمنية على حركة الملاحة في هذا الشريان العالمي.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية محمد العريمي، في حديث سابق لـ" اندبندنت عربية"، أن السياسة العمانية تستهدف احترام حرية الملاحة، والتمييز الواضح بين فرض رسوم مجحفة على مجرد العبور، وهو أمر غير وارد ويتعارض مع التزامات السلطنة، وبين استيفاء رسوم مقابل خدمات فنية حقيقية تقدمها مسقط للسفن العابرة، مثل الإرشاد والقطر والسلامة، على غرار النموذج المعمول به في مضيق ملقا، بما يضمن أمن الحركة واستدامة التجارة الدولية بعيداً من معادلات التصعيد والابتزاز الإقليمي.
ومن هنا تأتي أهمية المبادرة العمانية بإتاحة ممر عبور موقت يتوافق مع القانون الدولي وقانون البحار، لينهي فكرة احتكار إدارة هذا الملف من قبل أي طرف، ويسهم في الانتقال التدريجي بمفهوم النفوذ ليرتكز على إدارة الممرات بكفاءة وتعزيز الثقة الدولية بدلاً من أدوات الردع والتهديد العسكري.
تأرجح المؤشرات الملاحية وسلطة الأمر الواقعوتظهر المؤشرات المرافقة لتقرير الحركة الملاحية أن وتيرة الملاحة في مضيق هرمز شهدت صعوداً تدريجاً منذ مطلع مارس الماضي، قبل أن تسجل ذروتها الاستثنائية مع نهاية يونيو (حزيران) الماضي ومطلع يوليو الجاري، لتعود وتسلك مساراً تنازلياً حاداً خلال الأيام القليلة الأخيرة بفعل الضربات الأمنية المكثفة.
ومع ذلك لم يتوقف تدفق السفن التجارية تماماً، بما فيها سفن" أسطول الظل" وتلك الخاضعة للعقوبات، والتي واصلت عبورها في الاتجاهين شرقاً وغرباً بنسب متماثلة تؤكد أن أي شلل يصيب المضيق سيضرب رئة التجارة العالمية في اتجاهي الاستيراد والتصدير بالتساوي، على رغم تصاعد الأخطار المحيطة بأطقم الملاحة.
وفي نهاية المطاف، تكشف خريطة الملاحة الحالية في هرمز أن خيارات البحارة وقباطنة السفن لم تعد تحكمها اعتبارات السلامة أو مواثيق حرية الملاحة المعترف بها، بقدر ما تفرضها التطورات الأمنية وسياسة الأمر الواقع.
ويتوزع المشهد اليوم بين مسار عماني مقترح يتراجع الإقبال عليه ويسجل عبوراً يقترب من الصفر نتيجة الهجمات التي تلاحق السفن قبالة سواحله لإفشاله، ومسار إيراني يستقطب غالبية حركة العبور ويفرض على السفن الإذعان لرقابة طهران، ومسار دولي مشترك لم يعد هو الآخر بمنأى عن الاستهداف المباشر بالصواريخ والمسيرات، ليبقى هذا الشريان العالمي الحساس رهينة للتصعيد ومحاصراً بتهديدات دائمة بالاحتجاز والمصادرة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك