قد يكذب الشهود، وقد تختفي الأدلة، لكن الجسد وحده يبقى حاملا لذاكرة لا يستطيع صاحبها الدفاع عنها.
كدمة صغيرة، أو كسر في عظم، أو نقطة دم في مكان غير متوقع.
تفاصيل قد تغير مسار قضية كاملة، وتحول توصيف وفاة من" انتحار" إلى" جريمة قتل".
لكن هذا الانتقال يطرح سؤالا قانونيا وفلسفيا عميقا: في اللحظة التي يبدأ فيها التشريح، هل يبقى الجسد إنسانا يستحق الاحترام، أم يتحول إلى موضوع للتحقيق؟القانون نفسه يعيش هذا التناقض؛ فالجسد لم يعد شخصا بالمعنى القانوني، لكنه ليس شيئا عاديا أيضا، بل يبقى محاطا بواجب احترام كرامته حتى بعد الوفاة.
قضية نيس.
حين تصبح الحقيقة أكثر إيلاما من الموتبعد اعتداء نيس عام 2016، اكتشفت عائلات عدد من الضحايا أن المأساة لم تنته بالدفن.
فقد خضعت جثامين بعض الضحايا لاقتطاعات من الأعضاء في إطار التحقيق القضائي، من دون أن تكون العائلات على علم كامل بطبيعتها أو بمصيرها.
آن غورفيس، والدة الطفلة آمي التي قُتلت في الاعتداء، لخّصت هذا الألم بقولها: عندما لا نحترم الموتى، فإننا لا نحترم الحياة.
"تكشف هذه الشهادة واحدة من أصعب المعضلات الأخلاقية التي يواجهها الطب الشرعي.
فالطبيب لا يبحث عن القاتل، بل يبحث عن الحقيقة التي تركها الجسد.
أما العائلة، فلا ترى أمامها سوى الإنسان الذي أحبته.
فأين يتوقف حق العدالة في معرفة الحقيقة.
وأين يبدأ حق الميت في أن يُعامل بكرامة؟هل تتعارض الأديان مع التشريح؟خلافا للتصور الشائع، لا توجد ديانة كبرى تحرّم تشريح الجثث تحريما مطلقا.
ففي اليهودية والإسلام، يقبل التشريح إذا ثبتت ضرورته لتحقيق العدالة أو حماية المجتمع.
لكن النفور من فتح الجسد أقدم من الأديان نفسها، فهو بحسب عدد من علماء الأنثروبولوجيا خوف من المعنى الذي يمثله الموت، لا من الجثة وحدها.
كيف يتعلم الطبيب الشرعي أن" يرى" الجثة؟لا يستطيع الطبيب الشرعي أداء عمله إذا ظل يرى في كل جثة أما، أو ابنا، أو صديقا.
لذلك يطور ما يسميه الباحثون" التجرد المؤقت"، أي وضع اسم الشخص وسيرته بين قوسين، حتى يتمكن من التركيز على ما يقوله الجسد.
لكن هذا لا يعني فقدان الإنسانية.
فالطبيب نفسه هو من يحرص، بعد انتهاء التشريح، على إعادة الجسد إلى هيئة تسمح للعائلة بوداعه بكرامة.
البحث عن الحقيقة.
دون فقدان الإنسانيةإن القدرة العلمية على فتح الجسد وتحليل أسراره لا تعني أن كل ما هو ممكن علميا أصبح مقبولا أخلاقيا.
ولهذا يبقى السؤال مطروحا أمام الأطباء، والفلاسفة، والقانونيين، وعائلات الضحايا: كيف يمكن أن نبحث عن الحقيقة، من دون أن نفقد إنسانيتنا؟ وهل يبقى الجسد البشري مقدسا بعد الموت؟


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك