لم يعد المشهد يحتمل إدارة تقليدية للملفات، بل يتطلب رؤية شاملة تعيد صياغة الأولويات، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون عنوانها «الاستقرار الذكي والنمو المستدام».
اليوم، تقف الحكومة الجديدة أمام مجموعة من “الملفات الساخنة” التي لا تقبل التأجيل، بل تحتاج إلى مقاربة علمية متوازنة تستلهم أفضل التجارب العربية والدولية، وتُطوّعها للواقع المصري.
أولاً: معادلة سعر الفائدة… التوازن الصعب بين المدخرين والمستثمرين.
من أبرز التحديات المطروحة أمام صانع القرار الاقتصادي هو تحديد سعر الخصم وأسعار الفائدة، في ظل ضغوط تضخمية واحتياجات استثمارية ملحّة.
تشير تجارب دول مثل تركيا والأرجنتين إلى أن التخفيض المتسرع للفائدة دون معالجة هيكلية للتضخم يؤدي إلى فقدان الثقة وارتفاع سعر الصرف.
بينما تؤكد نماذج مثل المغرب وإندونيسيا أهمية الحفاظ على عائد حقيقي موجب لحماية المدخرات وتعزيز الثقة في العملة المحلية.
الرؤية المتوازنة لمصر يجب أن تقوم على:
ـ تحقيق عائد حقيقي موجب للمدخرين يحافظ على القوة الشرائية.
ـ تخفيض تدريجي ومدروس للفائدة مع تراجع التضخم الفعلي.
ـ توفير أدوات تمويل ميسّرة موجهة للقطاعات الإنتاجية، لا سيما الصناعة والزراعة والتصدير.
ـ تفعيل مبادرات تمويلية بفائدة مدعومة للقطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
المعادلة ليست صفرية؛ فحماية المدخر لا تعني خنق المستثمر، والعكس صحيح.
المطلوب هو إدارة ديناميكية للفائدة وفق مؤشرات الاقتصاد الحقيقي، لا وفق ضغوط قصيرة الأجل.
ثانياً: سياسة مالية متوازنة.
لا انكماشية ولا توسعية.
الانكماش المالي المفرط يبطئ النمو ويزيد البطالة، بينما التوسع غير المنضبط يعمّق العجز ويرفع التضخم.
التجارب الدولية الحديثة، خاصة في دول جنوب شرق آسيا، تشير إلى أهمية ما يُعرف بـ" السياسة المالية المرنة المستهدفة"، والتي تقوم على:
ـ إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام نحو الإنتاج والتشغيل.
ـ خفض النفقات غير ذات العائد الاقتصادي المباشر.
ـ توسيع القاعدة الضريبية بدلاً من زيادة العبء الضريبي.
ـ دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها محركًا رئيسيًا للنمو.
السياسة المثلى لمصر الآن هي سياسة “إعادة التوجيه” لا “الضغط” ولا “الضخ”، بحيث يتم توجيه الموارد نحو قطاعات تحقق عائداً اقتصادياً واجتماعياً في آنٍ واحد.
ثالثاً: تسويق مصر.
من دولة تبحث عن استثمار إلى دولة تُدار بعقلية استثمارية.
لم يعد جذب الاستثمار الأجنبي مسألة حوافز ضريبية فقط، بل أصبح مرتبطًا بوضوح السياسات، واستقرار التشريعات، وسرعة الإجراءات.
تجربة الإمارات والمملكة العربية السعودية في إعادة تعريف صورتهما الاستثمارية تؤكد أن التسويق الناجح يقوم على ثلاثة عناصر:
ـ الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص.
مصر تمتلك مزايا تنافسية استثنائية.
موقع جغرافي فريد، سوق ضخم، اتفاقيات تجارية متعددة، وقاعدة صناعية وبشرية واسعة.
المطلوب هو تحويل هذه المزايا إلى “رسالة استثمارية موحدة” يتم تسويقها عالميًا باحترافية.
التسويق الحديث لمصر يجب أن يكون قائمًا على:
ـ تحديد قطاعات ذات أولوية واضحة (الصناعات التحويلية، الطاقة الجديدة، الخدمات اللوجستية، الاقتصاد الرقمي).
ـ إطلاق منصة استثمارية رقمية موحدة تُنهي تعدد الجهات.
ـ الترويج الخارجي المنظم من خلال بعثات اقتصادية متخصصة.
رابعاً: التواصل مع أصحاب الأعمال.
الاقتصاد يبدأ من سوق العمل.
أحد أهم الملفات التي تحتاج إلى تحرك عاجل هو الربط بين التعليم وسوق العمل.
تشير تقارير البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية إلى أن فجوة المهارات تمثل أحد أكبر عوائق التوظيف في الاقتصادات النامية.
وهنا يبرز دور الحكومة في:
ـ إنشاء قنوات اتصال مباشرة مع اتحادات الصناعات والغرف التجارية.
ـ تحديد المهارات الدقيقة المطلوبة لكل قطاع.
ـ تطوير برامج تدريب مهني مرنة وسريعة الاستجابة.
ـ تحفيز الشركات على المشاركة في تصميم المناهج التدريبية.
ـ التواصل الحقيقي مع أصحاب الأعمال ليس إجراءً شكليًا، بل هو شرط أساسي لخفض البطالة وتحقيق نمو مستدام.
مصر اليوم بحاجة إلى هدف قومي اقتصادي واضح خلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة، يمكن أن يتمحور حول: “مصر مركز إقليمي للإنتاج والتصدير والطاقة والخدمات اللوجستية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
”.
ـ تطويرًا مستمرًا لرأس المال البشري.
ـ إصلاحًا إداريًا يختصر الوقت والتكلفة.
التحول الاقتصادي الحقيقي لا يحدث بقرارات منفردة، بل برؤية متكاملة تتشارك فيها الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
التعديل الوزاري ليس مجرد تغيير أسماء، بل فرصة لإعادة ضبط البوصلة الاقتصادية.
المطلوب اليوم هو الانتقال من إدارة ردود الفعل إلى صناعة المبادرة.
إذا نجحت الحكومة في تحقيق التوازن بين حقوق المدخرين وحفز المستثمرين، واعتمدت سياسة مالية رشيدة، واحترافية في تسويق مصر، وشراكة حقيقية مع أصحاب الأعمال، فإن مصر لن تخرج فقط من ضغوط المرحلة، بل ستدخل مرحلة جديدة من النمو المستدام.
إن اللحظة الراهنة ليست لحظة إدارة أزمة فحسب، بل لحظة صناعة مستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك