شهدت الساحة الإعلامية المصرية، نقاشًا واسعًا مع عودة وزارة الدولة للإعلام، برئاسة ضياء رشوان، إلى التشكيل الحكومي بعد سنوات من الغياب، في ظل وجود ثلاث هيئات وطنية مستقلة تضطلع بالفعل بأدوار رئيسية في إدارة وتنظيم المجال الإعلامي.
ألغى الدستور المصري في 2014، وزارة الإعلام، في حكومة المهندس إبراهيم محلب، استجابة لمطالب واسعة أعقبت ثورة يناير، بفصل الإعلام عن السيطرة الحكومية المباشرة، ترسيخًا لمبدأ حرية التعبير والاستقلال المؤسسي لوسائل الإعلام، ولا سيما المملوكة للدولة.
فصل الإعلام عن السيطرة الحكومية.
واتجهت الفلسفة التي تبناها الدستور إلى تفكيك التركيز الإداري في يد وزارة واحدة، واستبداله بهيئات مستقلة تتولى التنظيم من جهة، والإدارة من جهة أخرى، بما يحقق قدرًا أكبر من التوازن والشفافية، ويقلل من الطابع التنفيذي المباشر في إدارة المحتوى الإعلامي.
كما ارتبط الإلغاء بالرغبة في تطوير نموذج حديث لإدارة الإعلام، يواكب التحولات الرقمية وتعدد المنصات، ويعتمد على التنظيم المهني بدلًا من الإدارة الحكومية المركزية.
استحدثت الحكومة في أواخر ٢٠١٩ وزارة الدولة للإعلام وكلفت بها الكاتب الصحفي أسامة هيكل، قبل أن يستقيل من منصبه في في إبريل 2021، وحدد القرار الحكومي اختصاصات الوزارة دون التعارض مع اختصاصات وصلاحيات الهيئات الوطنية الثلاثة “ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الهيئة الوطنية للإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة”.
عودة الوزارة من جديد، طرحت مجموعة من التساؤلات الجوهرية حول حدود الاختصاصات، ومدى وضوح الفصل بين الدور التنفيذي والسياسي للوزارة، وبين الصلاحيات التنظيمية والإدارية التي تمارسها الهيئات الوطنية بموجب الدستور والقانون.
تتمثل فلسفة وجود وزارة الدولة للإعلام، وفقًا للاختصاصات المعلنة، كونها جهة تتولى صياغة السياسة الإعلامية العامة للدولة، والعمل على تنسيق الخطاب الإعلامي الرسمي بين مؤسسات الحكومة المختلفة، تتحرك في نطاق التخطيط الاستراتيجي والتنسيق، خاصة في القضايا ذات البعد الوطني أو الدولي.
ويشمل دورها أيضًا، تنظيم الرسائل الإعلامية في أوقات الأزمات، وتحسين صورة الدولة خارجيًا، وبناء جسور تواصل مع وسائل الإعلام الدولية، إلى جانب تدريب المتحدثين الرسميين ورفع كفاءتهم، وتمثيل الدولة في المحافل الإعلامية الإقليمية والدولية، وبالتالي تُقدَّم الوزارة باعتبارها جهة رسم سياسة وتنسيق لا جهة تنظيم أو إدارة مباشرة.
في المقابل، يتولى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، المسئولية التنظيمية والرقابية على المجال الإعلامي ككل، فهو الجهة المختصة بوضع القواعد والضوابط التي تحكم العمل الإعلامي الخاص والحزبي بمختلف وسائطه، سواء كانت صحافة مطبوعة أو إلكترونية أو قنوات تلفزيونية أو إذاعات.
كما يتولى إصدار التراخيص للوسائل الإعلامية، ومتابعة التزامها بالمعايير المهنية والأكواد الأخلاقية، والنظر في شكاوى الجمهور والهيئات، واتخاذ التدابير أو الجزاءات اللازمة في حال وقوع مخالفات.
ويشكل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الإطار القانوني والمهني المنظم للبيئة الإعلامية، ويُفترض أن يعمل باستقلال عن السلطة التنفيذية، بما يضمن قدرًا من الحياد في عملية التنظيم والرقابة.
أما على مستوى إدارة المؤسسات المملوكة للدولة، فتتوزع المسئولية بين هيئتين وطنيتين.
تتولى الهيئة الوطنية للصحافة الإشراف على المؤسسات الصحفية القومية، مثل الصحف ودور النشر التابعة للدولة.
وتشمل صلاحياتها تعيين رؤساء مجالس الإدارات ورؤساء التحرير، ومتابعة الأداء المالي والإداري، ووضع خطط التطوير المهني والاقتصادي لهذه المؤسسات.
كما تعمل الهيئة على تنمية موارد المؤسسات الصحفية واستثماراتها، وتحديث بنيتها التكنولوجية، ودعم تحولها الرقمي، بما يساعدها على مواكبة التغيرات في سوق الإعلام.
اختصاصات الهيئة الوطنية للإعلام.
أما الهيئة الوطنية للإعلام - اتحاد الإذاعة والتليفزيون سابقًا، فتختص بإدارة وتشغيل مؤسسات الإعلام المرئي والمسموع المملوكة للدولة، وعلى رأسها شبكات الإذاعة والتلفزيون والمنصات الرقمية التابعة لها.
وتمارس الهيئة صلاحياتها في الإشراف على الجوانب الإدارية والمالية، وتعيين القيادات داخل هذه المؤسسات، والعمل على تطوير المحتوى الإعلامي المقدم للجمهور، إلى جانب تحديث البنية الفنية والتقنية لوسائل البث، والحفاظ على التراث السمعي والبصري الذي تمتلكه الدولة.
يتضح أن المشهد الحالي يقوم على توزيع نظري للأدوار: وزارة تضع السياسة العامة وتنسق الرسائل، ومجلس أعلى ينظم ويراقب، وهيئتان وطنيتان تديران المؤسسات المملوكة للدولة في الصحافة والإعلام المرئي والمسموع.
غير أن الجدل يظل قائمًا حول المساحات المشتركة بين “وضع السياسة الإعلامية” و“تنظيم المجال الإعلامي”، وحول ما إذا كان التنسيق قد يتحول عمليًا إلى تدخل، أو يظل في حدوده الاستراتيجية فقط.
يُحسم هذا الجدل من خلال وضوح اللوائح المنظمة للعلاقة بين هذه الجهات، وعلى الممارسة الفعلية، التي ستحدد ما إذا كانت عودة الوزارة، ستشكل عنصر تكامل داخل المنظومة الإعلامية، أم مصدرًا جديدًا لتداخل الاختصاصات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك