كانت بعض أسئلة منتدى الجزيرة السابع عشر الذي حظيت شخصياً بفرصة متابعة بعض نقاشاته تتمحور حول الأوضاع الجيوسياسية الجديدة وتأثيراتها الإقليمية، وكيف تتغير المعادلات التقليدية في صياغة السردية وتقاسم القوة الجديد الذي أظهر محدودية القوة العسكرية، وصعود القوة الرقمية.
ولعلّ المتغيّر الأبرز هو التراجع الكبير في أهمية العوامل التي كانت تحدد في السابق أسعار السلع انتقالاً إلى عصر جديد باتت العوامل الجيوسياسية هي الحاسمة فيه.
فعلى سبيل المثال تراجعت أهمية العرض والطلب في تحديد أسعار ما يوصف بسوق بالسلع Commodities مثل النفط والغاز والقمح وغيرها، إذ كان تحديد الأسعار في الأسواق يعتمد بالأساس على عوامل السوق من الطلب والعرض والعقبات التي تعترض تدفق السلع، وبناءً عليه كانت الأسعار تتذبذب صعوداً وهبوطاً يومياً.
الجديد أنّ أسواق النفط، على سبيل المثال، التي تشهد تخمة في المعروض حالياً تُقدر بما بين ثلاثة إلى أربعة ملايين برميل، لا تشهد انخفاضاً في الأسعار بما يعكس تلك التخمة، وأصبحت السلع وأسعارها تبعاً لذلك أدوات للتأثير السياسي على نحوٍ متزايد، وهذه الديناميكيات الجديدة التي باتت محكومة بعناصر جيوسياسية ليست ترتيبات مؤقتة، بل جوهرية، وعلى الأرجح ستستمر في رسم معادلات الأسعار الجديدة.
وضمن هذه المعادلات الجديدة فإنّ سلاسل التزويد والتأمينات والكلف الإضافية التي ترافقها باتت عوامل بذات أهمية توفير السلع وإنتاجها، وأصبح هناك علاوة premium ترافق معادلات التسعير مرتبطة بالاصطفافات السياسية.
ولعل أبرز الأمثلة على ذلك العلاقة التي نشأت على مدى السنوات الخمس الماضية بين الدول التي خضعت وما زالت لحظر التصدير أو المقاطعة مثل إيران وروسيا، والدول المستهلكة مثل الهند والصين.
في إطار تلك العلاقة لم يعد النفط أو الغاز سلعة بالمعنى التقليدي، بل أصبح أداة جيوسياسية لممارسة التأثير السياسي والالتفاف على الحظر والحصار الذي فرض على بعض الدول.
فالصين، على سبيل المثال، تنظر إلى النفط الروسي أداةً للتحوط الاستراتيجي، وليس صفقة انتهازية تتضمن تخفيضاً في الأسعار، إضافة إلى أنّ الترتيبات الروسية - الصينية تجنّب الصين مخاطر المعابر والنقاط الحرجة مثل مضيقَي هرمز وباب المندب، كذلك تمنح الصين هامشاً للمناورة وأداة للتأثير السياسي الفعّال على قرارات موسكو التي بدورها تثق بقرارات الصين وقدرتها على تسوية المستحقات المالية بعيداً عن النظام المالي الغربي وقنواته في التحويل.
بعكس ذلك قامت الهند بتخفيض كميات الاستيراد من روسيا رغم انخفاض أسعارها قياساً بأسعار السوق؛ طمعاً بتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة؛ أي أن القرار الهندي محكوم بعوامل سياسية وتموضع ضمن إطار التجارة العالمية بعيداً عن الوفورات الفورية التي يمكن أن تجنيها الهند من الظروف السائدة.
ولا ننسى ضمن هذا السياق تعطيل الولايات المتحدة لصفقة تزويد أوروبا بالغاز من روسيا عبر" نورد ستريم2"، الذي كان سيربط ألمانيا بروسيا على نحو استراتيجي أعمق، فباتت ألمانيا بعد إلغاء أو تأجيل المشروع تدفع سعراً مضاعفاً للغاز الطبيعي مقابل إدارة الظهر لروسيا أملاً بنيل رضا الولايات المتحدة.
ضمن السياق ذاته، وفي إطار المناقشات في منتدى الجزيرة السابع عشر، برزت المعادن النادرة والثمينة في صياغة معادلات جديدة سترسم حدود القوة في العالم خلال الحقبة المقبلة، بغض النظر عن ساكن البيت الأبيض، إذ إنّ التغيّرات التي يشهدها العالم تتجاوز ردّات الأفعال، ودفعت لاتباع نهج جديد يسعى إلى إعادة التصنيع إلى مراكز الإنتاج الرئيسية في أوروبا والولايات المتحدة، إذ صحا العالم على حقيقة أنّ الصين تتحكم بأكثر من 70% من إنتاج وتصنيع أهم 20 معدناً ثميناً ونادراً في العالم مما يصنف بالمعادن الحرجة critical minerals، وليس التحكم في التنقيب والوصول إلى أماكن الإنتاج هو العامل الوحيد الذي شكل قلقاً للولايات المتحدة، بل السيطرة اللاحقة على عمليات التصنيع والمعالجة التي تتطلبها تلك المعادن، والتي تتطلب بطبيعة الحال بنية تحتية خاصة، واستثمارات رأسمالية كبيرة وسوف تتطلب وقتاً للتجهيز تمهيداً للمنافسة والدخول إلى الأسواق، وقامت الصين مع بدء العام بحظر تصدير بعض السلع التي تستخدم في التصنيع، وبخاصة الرقائق المتقدمة مما جعل أسعارها ترتفع على نحوٍ غير مسبوق، وكان واضحاً أن زيادة المعروض غير ممكنة في المدى القصير، وهو ما انعكس على أسعار أسهم تلك الشركات التي تمتلك حقوق امتياز وتطوير، وبعكس سوق النفط والغاز فإنّ نقص المعروض وزيادته يعتبران عوامل حاسمة في تحديد الأسعار.
يضاف لذلك أنّ بعض المعادن (الذهب والفضة) شكلت ملاذاً آمناً للكثير من المستثمرين والبنوك المركزية حول العالم، إذ رفعت الكثير من البنوك المركزية احتياطاتها من الذهب على حساب العملات الورقة وعلى رأسها الدولار، ومع سيادة حالة من الضبابية واللايقين أصبحت المعادن ملاذاً يُحيد تلك المتغيّرات ويجعلها وسيلة تحوط آمنة وسليمة، فهي ستجنب المستثمر تقلبات العملة وبخاصة الدولار والتضخم الذي يتوقع ارتفاعه في ظل الانخفاض المتوقع في أسعار الفائدة ووفرة السيولة النقدية.
من الواضح أن العوامل الجيوسياسية تعيد ترسيم حدود القوى العالمية وتأثيراتها الإقليمية بما في ذلك القضية الفلسطينية التي كشف العدوان عليها هشاشة الترتيبات العالمية، ومبادئ الاعتماد المتبادل والثقة الظاهرية التي كانت سائدة إلى ما قبل أكثر من عامَين، وبتنا نقف على عتبة جديدة من ترتيبات ستتجاوز المعادلات التقليدية وأعادت فتح ملفات اعتقدنا أننا تجاوزناها، وتبقى الإشارة إلى أن حرب المعادن النادرة ومعالجة البيانات هو عنوان المرحلة الجديدة، التي تتطلب مصادر طاقة موثوقة ومستمرة لا تخضع لقرارات سريعة وانفعالية، وهو ما يعيدنا إلى تسعير المخاطر السياسية وعكسها على بورصة السلع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك