تبدو مسألة إيران وأمريكا وإسرائيل في اللحظة الراهنة كأنها مسرح كلاسيكيٍّ للصراع الدوليِّ، لكنها في الحقيقة مباراة شطرنج طويلة النفس، يتحرك خلالها اللاعبون لا وفق ما يعلنونه، بل وفق ما يخشونه، فالقضية لا تتعلق بالبرنامج النوويِّ الإيرانيِّ وحده، ولا بالصواريخ الباليستية وحدها، بل تتعلق قبل ذلك بمستقبل ميزان القوة في الشرق الأوسط كله، وبالسؤال الأعمق: من يملك حق الردع في الإقليم؟زيارة رئيس وزراء إسرائيل إلى واشنطن لا يمكن قراءتها كزيارة بروتوكولية عادية، لأن إسرائيل تدرك أن الزمن يعمل ضدها ببطء شديد.
فمنذ عقود، اعتمدت استراتيجيتها الأمنية على التفوق النوعيِّ المطلق؛ أي أن تمتلك القدرة على ضرب أي خصم محتمل قبل أن يصل إلى عتبة الخطر.
ولهذا تعاملت مع العراق عام 1981 ومع سوريا عام 2007 بمنطق الوقاية الاستباقية، حيث ضربت مشاريع نووية ناشئة قبل أن تتحول إلى قوة ردع حقيقية.
أما الحالة الإيرانية فهي مختلفة جذرياً؛ فإيران ليست دولة هامشية، بل دولة كبيرة ذات عمق جغرافيٍّ وبشريٍّ وصناعيٍّ، وقد وزعت قدراتها العسكرية على شبكة إقليمية ممتدة، الأمر الذي يجعل أي ضربة عسكرية ضدها بداية صراع لا نهايته.
لذلك يتصاعد القلق الإسرائيليُّ، فامتلاك إيران سلاحاً نووياً فعلياً ليس وحده ما يثير المخاوف، بل الوصول إلى ما يسميه الاستراتيجيون القدرة النووية الكامنة، أي أن تكون الدولة قادرة على إنتاج السلاح بسرعة دون أن تعلن عنه.
عند هذه النقطة يتحقق الردع حتى دون قنبلة.
فالدول لا تخشى القنبلة بقدر ما تخشى القدرة على صنعها في أي لحظة، وهذا ما يفسر الضغط السياسيَّ الإسرائيليَّ المستمر على أمريكا، إذ إن إسرائيل لا تريد حرباً شاملة بقدر ما تريد إزالة هذه العتبة تحديداً.
لكن أمريكا تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، فهي لا ترى إيران مجرد تهديد لإسرائيل، بل لاعباً إقليمياً مزعجاً يمكن احتواؤه، بينما ترى الحرب الشاملة معه مقامرة استراتيجية كبرى.
أمريكا خرجت من العراق وأفغانستان بتجربة مرهقة جعلتها أكثر حذراً من الانزلاق إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، خاصة مع تحول اهتمامها الاستراتيجيِّ نحو آسيا والصين.
لذلك تميل السياسة الأمريكية تقليدياً إلى تقييد البرنامج النوويِّ الإيرانيِّ عبر الاتفاقات والرقابة لا عبر الحرب، لأن الضربة العسكرية قد تؤخر المشروع سنوات، لكنها قد تدفع إيران حتماً إلى قرار تصنيع السلاح فعلاً بدل الاكتفاء بقدرته الكامنة.
هذا ما يجسد التناقض: إسرائيل تبحث عن حل نهائيٍّ، بينما أمريكا تدير أزمة طويلة.
إسرائيل تفكر جغرافياً، وأمريكا تفكر عالمياً.
الأولى تقيس الزمن بالأشهر، والثانية تقيسه بالعقود.
أما المفاوضات بين واشنطن وطهران فتبدو ظاهرياً غير متكافئة، إذ تجلس دولة خاضعة لعقوبات اقتصادية قاسية أمام القوة الاقتصادية والعسكرية الأكبر في العالم.
لكن التاريخ الدبلوماسيَّ يعلمنا أن التفاوض لا يقاس بحجم القوة العسكرية وحدها، فإيران تمتلك أدوات تفاوض مختلفة: الموقع الجغرافيَّ، التأثير الإقليميَّ، القدرة على تعطيل إمدادات الطاقة، والأهم قدرتها على الصبر الاستراتيجيِّ.
إن الفارق بين القوتين في القوة الصلبة يقابله نوع من التكافؤ في القدرة على إطالة الزمن؛ والوقت في التفاوض أحياناً أهم من السلاح.
هذا الوضع يذكر بموقف فرنسا بعد سقوط نابليون، كانت فرنسا آنذاك دولة مهزومة ومحتلة، وكان من المتوقع أن تقسم أو تجرد من مكانتها الكبرى.
لكن وزير خارجيتها في ذلك الوقت، تاليران، فهم أن الدبلوماسية لا تقوم على الدفاع بل على تحويل موقع الضعف إلى ورقة قوة.
فبدل أن يتفاوض كمهزوم، فاوض كضرورة للنظام الأوروبيِّ؛ أقنع القوى المنتصرة أن استقرار القارة يتطلب بقاء فرنسا قوية لا إذلالها.
وهكذا خرجت فرنسا من مؤتمر فيينا دولة كبرى رغم هزيمتها العسكرية الساحقة، المقارنة ليست تاريخية بقدر ما هي منهجية.
فالدول الضعيفة نسبياً في التفاوض غالباً ما تعتمد على ثلاث أدوات: الصبر، وتعدد الملفات، وربط مصالح الخصوم ببقائها.
إيران تفاوض بالطريقة نفسها تقريباً؛ فهي لا تفاوض فقط على أجهزة الطرد المركزيِّ، بل على دورها الإقليميِّ وعلى الاعتراف الضمنيِّ بمكانتها.
ولذلك تطول المفاوضات، لأن كل طرف يفاوض على موضوع مختلف تحت العنوان ذاته.
النتيجة أن المنطقة تقف في حالة لا حرب ولا سلام.
الضربة العسكرية مؤجلة لأنها خطيرة، والاتفاق النهائيُّ صعب لأنه يتطلب تنازلات استراتيجية من الطرفين.
إسرائيل تخشى أن يؤدي الاتفاق إلى تثبيت قوة إيران، وأمريكا تخشى أن تؤدي الحرب إلى توسيع نفوذها.
أما إيران فتدير هذه المسافة بين الخوفين، محاولةً الوصول إلى ما يشبه وضع فرنسا بعد فيينا: دولة خرجت من حصار عسكريٍّ لتعود لاعباً معترفاً به.
وهكذا يصبح الملف النوويُّ أقل أهمية من معناه السياسيِّ.
فالقضية الحقيقية ليست أجهزة الطرد المركزيِّ ولا نسبة التخصيب، بل سؤال الشرعية: هل تعامل إيران كقوة إقليمية كبرى أم كدولة يجب تحجيمها؟ في الإجابة عن هذا السؤال يتحدد شكل الشرق الأوسط القادم، لا في طهران وحدها ولا في تل أبيب وحدها، بل في واشنطن أيضاً، حيث تصاغ التوازنات العالمية قبل أن تظهر نتائجها في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك