صفاء النجار روائية وصحافية، تعمل بنشاط رائع في الصحافة، حيث تدير موقع «حرف» التابع لجريدة «الدستور»، وتقدم « بودكاستات» رائعة في الفن والثقافة، فضلا عن رواياتها الجميلة مثل «مقامات الغضب»، أو «استقالة ملك الموت».
صدر لها كتاب جديد في معرض الكتاب هذا العام عن دار «أطياف» الجديدة، التي انشأتها أيضا.
الكتاب بعنوان» أطياف الرئيس.
صور الحكام في السينما»، في حوالي مئتين وخمسين صفحة.
أعرف قدراتها البحثية من متابعتي لها، لذلك كانت قراءتي لهذا الكتاب، الذي يدور حول موضوع يكاد يكون غائبا في الدراسات السينمائية، إلا في مقالات متفرقة.
بعد المقدمة عن أهمية السينما وتأثيرها على الجماهير، وكيف أن شخصية الحاكم لأيْ دولة مثيرة للاهتمام من الجمهور، وعن اهتمام السينما بالرؤساء والحكام، سواء في صور حقيقية لهم أو متخيلة، ندخل في العلاقة بين السينما والسلطة السياسية في العالم.
الملوك أو الرؤساء الذين أحبوا السينما ومنهم كاري بروني زوجة الرئيس الفرنسي ساركوزي، التي قدمت فيلم «منتصف الليل في باريس» مع المخرج الأمريكي وودي ألن.
نقطع رحلة مع السينما والسلطة في أمريكا.
كيف هي قديمة في أمريكا طالما اعتمد فيها الرؤساء على نجوم السينما، لتعبئة الرأي العام في صالحهم.
ما جرى في أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، حين توترت العلاقة بين هوليوود والسلطة، بسبب ما فرضه السيناتور جون مكارثي من الرعب والقمع، واتهام هوليوود بالشيوعية، أو الترويج لها.
مسيرة السينما بعد انتهاء فترة المكارثية وتوطد علاقة الرؤساء بالنجوم.
ودائما أمثلة مهمة وأسماء أفلام تحتاج إلى صفحات.
سأقفز بين الفصول وأمسك بجوهر الكتاب.
ننتقل إلى تطور صورة رئيس الدولة، ما بين التقديس والانتقاد والسخرية.
رحلة رائعة فنيا، وتوثيقيا مع الأفلام التي قدمت شخصية الرئيس منذ عام 1896 في أفلام قصيرة او روائية.
أفلام قديمة مثل» الحياة الدرامية لإبراهام لينكولن» عام 1924، وجديدة مثل «كل رجال الرئيس» عام 1976 عن فضيحة «ووتر غيت» وغيرهما، في جهد رائع، مع ذكر المخرجين والممثلين وموضوع الفيلم، وكذلك أفلام متخيلة عن الرئيس.
ننتقل إلى السينما والسلطة في ألمانيا مع الحرب العالمية الأولى، ورؤية المسؤولين عن أهمية السينما في الدعاية السياسية.
ما فعله هتلر وغوبلز وزير الدعاية والإعلام النازي من رقابة، وظهور أفلام تسجيلية وروائية لخدمة السلطة، وتوطد علاقة هتلر بصناع السينما مثل المخرجة ليني ريفستال، ونجمات مثل مارلين ديتريتش.
وأهم الأفلام في الدعاية مثل « انتصار الإرادة» عام 1934 وبعد وفاته أفلام مثل» هتلر.
الأيام العشرة الأخيرة».
ننتقل إلى السينما في فرنسا وبريطانيا مثل فيلم «المرأة الحديدية» عن رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت ثاتشر عام 2011.
كيف مع الألفية الجديدة ظهرت أفلام عن الملوك، فظهرت الملكة اليزابيث الثانية في فيلم « صاحبة السمو»، وأفلام أخرى عن ملوك في التاريخ مثل كليوباترا، أو في بلاد أخرى مثل فيلم «آخر ملوك سكوتلاند» عن عيدي أمين حاكم أوغندا.
ننتقل إلى السينما الروسية، وتاريخها كالعادة، حتى جاء البلاشفة للحكم، واعتبروا السينما طريقا لتقديم رسالتهم إلى العالم.
كيف صار ستالين هو الرقيب الأعلى الذي يرى بنفسه الأفلام، وكيف كان بعض السينمائيين هم أصحاب الحظوة عنده، يمنحهم الأوسمة والهدايا والفيلات للسكن.
وأفلام عن لينين مثل «ثمانية أيام هزت العالم» 1928 وحضور ستالين أكثر في السينما عالميا.
تستمر الرحلة مع إيطاليا والدنمارك وكوريا الجنوبية وإيران والعراق ومصر.
السينما الإيرانية مثلا وكيف اتسمت في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، بالعصرية والانفتاح على الغرب، ثم اختلفت مع الثورة الإسلامية في نهاية السبعينيات.
بعد الثورة الإسلامية بدأ عصر ولاية الفقيه، فتغيرت السينما جذريا، وبدأ الخميني يستخدم السينما لتأصيل أفكاره، فبدأت الدولة تنتج أفلاما تحت اسم «الدفاع المقدس».
نصل إلى مصر، وتطور صورة رئيس الدولة في السينما.
مسيرة الأفلام منذ أول فيلم عن الحاكم، وكان اللجوء فيها إلى التاريخ مع شخصية «شجرة الدر» في الفيلم الذي حمل العنوان نفسه عام 1935 وغيرها كثير من الأفلام التاريخية.
كيف ظهرت أفلام تسجيلية تصور الاحتفال بارتقاء الملك فؤاد الحكم، كان الملك فاروق متيما بالسينما يحضر بعض عروضها مثل فيلم «غرام وانتقام».
كيف تعرضت بعض الأفلام للمنع بناء على رغبة الملك، مثل فيلم» ليلي بنت الصحراء» الذي يدور في التاريخ بين العرب والفرس وانتصار العرب، فمنع الفيلم لحدوث المصاهرة بين البيت الملكي في مصر، والبيت الامبراطوري في إيران.
زواج الأميرة فوزية من الشاه محمد رضا بهلوي.
مصر بعد ثورة يوليو/تموز حين كانت هوليوود الشرق، وكيف رأى محمد نجيب السينما كرسالة بما يريدون، في تصريح بعد الثورة بشهر تقريبا.
ولع عبد الناصر بالسينما، وكيف شارك في مسرحية في المدرسة.
مشاهدته اليومية للأفلام حتى الممنوعة، وتدخله ليقوم فريد شوقي بعمل فيلم «بورسعيد» بعد العدوان الثلاثي، ودوره في ترشيح فيلم «شباب امرأة» 1956 في مهرجان كان وغير ذلك.
ولع السادات بها بعده، وكيف تقدم في شبابه لإحدى مسابقات التمثيل.
مبارك لم يعرف عنه ولعه بالسينما، رغم إنه ظهر بنفسه في فيلم «وداع في الفجر» عام 1956 في لقطة صامتة، وهو قائد لسرب الطيران.
بالمناسبة منع الفيلم من العرض بعد وصوله للحكم، لكنه أولى الفنانين اهتماما كبيرا.
بعد وفاة الملك فؤاد وتولي فاروق لم توجد شخصية للملك في أيْ فيلم في الفترة من 1936 حتى يوليو 1952 لكن كانت صورة الملك فاروق تظهر على جدران الأفلام.
كما ظهرت أغنيات عنه تمجده أو تمدحه كما في أفلام «ليلى بنت الفقراء» وغيره.
تستمر الأفلام والحديث عنها نقديا أيضا من قبل نقاد سينمائيين، وما تم تغيير نهايته أو منعه.
بعد نجاح ثورة يوليو اختفت صورة الملك فاروق من جدران الأفلام، وظهرت صورة عبد الناصر.
كيف خوفا من المحاذير، اتجهت السينما في الخمسينيات والستينيات، إلى التاريخ والخيال في أفلام تذكرها كلها.
وظهرت أفلام مثل «رد قلبي» تمجد الثورة المباركة.
كيف أسيء للملك فاروق، وتصويره فاسدا وزير نساء في فيلم مثل «يا مهلبية يا» 1991 أو فيلم» امرأة هزت عرش مصر» عام 1995.
تجسدت شخصية السادات في فيلم «الجاسوسة حكمت فهمي» عام 1984 ثم عبد الناصر عام 1996 في فيلم «ناصر56 « ثم فيلم «أيام السادات» عام 2001.
ظهر مبارك بتقنية الغرافيك وهو يكرم الممثل الرئيسي في فيلم «أمير الظلام» عام 2002 وفي 2006 ظهر فيلم «ظاظا رئيس جمهورية» من إخراج علي عبد الخالق، وفيه يظهر تمسك الرئيس بالكرسي، وتبرئة ساحته من الفساد، فالفساد فيمن حوله.
ثم يأتي فيلم «طباخ الرئيس» من إخراج سعيد حامد وفيلم «الديكتاتور» 2009 من تأليف خالد سرحان وإخراج إيهاب لمعي، وفيه يصبح الابن هو الرئيس الفعلي للبلاد، فيثور الشعب ويمسك الجيش بزمام الأمور، وكأنه نبوءة بثورة يناير.
كذلك فيلم «طير أنت» عام 2009 لأحمد مكي وفيه شخصية «الكبير» الطاغية لا الرئيس بالتحديد، فتحدث ثورة ويرتفع شعار «الكبير لازم يرحل» وهذا كان أبرز شعار في ما بعد لثورة يناير، وفي الفيلم يتم قطع الإنترنت تماما، كما حدث في ما بعد في يناير/كانون الثاني 2011.
نمشي بعد ذلك مع سمات وأداء الرئيس في السينما الأمريكية ثم السينما المصرية، وهو حديث غني فاتن، ثم ينتهي الكتاب ببعض الآمال والمقترحات مثل ضرورة قيام مؤسسة الرئاسة، بإنشاء موقع خاص لها على شبكة الإنترنت، أو ضرورة اهتمام وزارة الثقافة بإقامة «سينماتيك» يوفر للباحثين المعلومات والبيانات، وإلغاء الرقابة على الأفلام، والاكتفاء بتصنيفها بالنسبة للأطفال والمراهقين.
تنتهي من الكتاب بعد رحلة بحث رائعة للكاتبة صفاء النجار في السينما وتاريخها في العالم، وكيف جسدت الملوك والرؤساء في الحقيقة أو التاريخ أو الخيال، مع توثيق احتاج جهدا كبيرا، لأسماء وعدد الأفلام في العالم وتحليلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك