الجزيرة نت - كانت تحمل "رائحة مكة والمدينة".. ماذا حدث لهدايا الحجاج المصريين؟ روسيا اليوم - الحرس الثوري يربط استهداف مطار الكويت بعمليات "الراية الكاذبة" العربي الجديد - مقتل 4 جراء هجمات أوكرانية في شبه جزيرة القرم قناة القاهرة الإخبارية - بوصلة الاقتصاد العالمي.. أسرار منتدى سانت بطرسبرج بحضور 20 ألف مسؤول ومستثمر روسيا اليوم - زاخاروفا: روسيا لن تمول مسار أرمينيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وكالة الأناضول - أردوغان يستقبل رئيس النيجر بمراسم رسمية في أنقرة BBC عربي - رسالة خامنئي وتصويت الكونغرس يكشفان ضغوط حرب إيران في طهران وواشنطن: فهل بات الداخل في البلدين يرسم حدود المواجهة؟ فرانس 24 - أرمينيا تستعد لانتخابات برلمانية مفصلية على وقع مظاهرات العربي الجديد - الحرب تُرخي بظلالها على معسكر تدريب منتخب إيران في تركيا روسيا اليوم - مصر توقع اتفاقيات ضخمة مع الصين والإمارات
عامة

د. نهال أحمد يوسف تكتب

جريدة المساء
جريدة المساء منذ 3 أشهر
2

حين نردد في شوارعنا اليوم عبارة “وكله بالحب” لفض اشتباك أو لتسيير معاملة، فإننا نمارس -دون وعي-اختزالاً مخلاً لإرث حضاري ضخم. فلو قُدّر لنا أن نستحضر روح “حتحور”، ربة الحب والجمال والخصوبة عند أجدادنا...

ملخص مرصد
يتناول المقال نقداً للتسطيح الحاصل في مفهوم الحب في المجتمع المصري المعاصر، مقارناً بين الحب كعقيدة حضارية راسخة في مصر القديمة وبين تحوله إلى سلعة استهلاكية في عصر العولمة. يستدعي الكاتب رؤى فيلسوف الجغرافيا جمال حمدان وفيلسوف علم النفس إريك فروم لإعادة الاعتبار للحب كفعل بناء ومسؤولية مقدسة، داعياً إلى ثورة تصحيح لمفاهيمنا لنحب أنفسنا وأسرنا ووطننا بعمق.
  • يستعرض المقال تطور مفهوم الحب من عقيدة حضارية في مصر القديمة إلى سلعة استهلاكية في العصر الحديث.
  • يستدعي الكاتب رؤى جمال حمدان وإريك فروم لإعادة الاعتبار للحب كفعل بناء ومسؤولية مقدسة.
  • يدعو المقال إلى ثورة تصحيح لمفاهيمنا لنحب أنفسنا وأسرنا ووطننا بعمق ووعي.
من: د. نهال أحمد يوسف أين: مصر

حين نردد في شوارعنا اليوم عبارة “وكله بالحب” لفض اشتباك أو لتسيير معاملة، فإننا نمارس -دون وعي-اختزالاً مخلاً لإرث حضاري ضخم.

فلو قُدّر لنا أن نستحضر روح “حتحور”، ربة الحب والجمال والخصوبة عند أجدادنا الفراعنة، لربما بكت على ما آل إليه حال “أحفادها”.

ففي مصر القديمة، سما الحب فوق مرتبة النزوات العاطفية العابرة، ليضحي طقساً كونياً وجزءاً أصيلاً من “الماعت” (نظام العدالة والحق).

لقد كان الحب هو القوة الضامنة لتوازن الكون من الفوضى، ولذلك شيدوا له المعابد واعتبروه عقيدة لا مجرد أغانٍ.

اليوم، ونحن نحتفي بـ “عيد الحب”، يحق لنا أن نمارس نقداً ذاتياً قاسياً وموضوعياً، متسائلين كيف انزلق “الحب” من كونه عقيدة حضارية راسخة ليصبح “سلعة” استهلاكية في عصر العولمة؟ ولعل أول ما يصدمنا في رحلة البحث عن إجابة هو ما تكشفه “أركيولوجيا المشاعر” عند تتبع تطور “القاموس العاطفي” للمصريين؛ إذ نرصد انحداراً لغوياً يشي بفقر شعوري مدقع.

لقد ورثنا لغة تذخر بأكثر من أربع عشرة درجة للحب (الهوى، الصبوة، الشغف، الوجد، العشق، الهيام، التتيم…)، حيث تصف كل مفردة حالة دقيقة وعميقة من التحام الروح.

أما اليوم، في عصر السرعة، تلاشت هذه الفروق الدقيقة تحت وطأة مصطلحات هجينة ومسطحة مثل “الكراش” أو “الصحوبية”، أو العبارة الأخطر “وكله بالحب” التي مسخت الحب من “قيمة” عليا إلى ذريعة للفهلوة وتجاوز القوانين.

هذا التسطيح اللغوي ما هو إلا انعكاس لتسطيح الشعور ذاته؛ إذ عزفنا عن الصبر على إنضاج المشاعر، جانحين إلى استهلاكها كوجبات سريعة التحضير.

وهذا التسطيح الشعوري لا ينفصل بحال عن علاقتنا بالمكان والوطن.

ولكي نفهم كيف نحب أنفسنا ووطننا اليوم بعمق، يحسن بنا استدعاء رؤية “فيلسوف الجغرافيا” الراحل “جمال حمدان” في موسوعته “شخصية مصر”.

لم يقف حمدان عند وصف حب المصري لوطنه بالشعارات، إنما أصلّه كـ “حتمية” وجودية نابعة من كون المجتمع المصري “مجتمعاً نهرياً” كثيفاً، يعيش ككتلة بشرية واحدة متجانسة على ضفاف النيل.

وهنا، غادر الحب والتعاون مربع الرفاهية، ليستحيلا شرطاً جوهرياً للبقاء ولضبط النهر والزراعة.

إذن، يتسامى حب الوطن والأرض في الجينوم المصري عن الانفعال العاطفي، ليرسخ كـ “عقد اجتماعي” تاريخي.

لكن العولمة اليوم تسعى لتفكيك هذه “الكتلة الصلبة”، محولة المواطن إلى “فرد” منعزل مستهلك، مبتوت الصلة عن تاريخه وجاره.

ومن هنا تنبع الأزمة الحقيقية: حين نكره واقعنا، وننعزل عن محيطنا، فإننا نخون “عبقرية المكان” التي شكلت وجداننا.

ومن رحم هذه الفلسفة الجغرافية، نجد خيطاً ناظماً يربط حكمة الجد المصري القديم بتنظيرات الفلاسفة المعاصرين أمثال “إريك فروم”؛ إذ يتقاطع كلاهما عند حقيقة أن الحب “فعل بناء” يغاير تماماً “فعل الامتلاك”.

ولعل أزمة الحب بين أفراد الأسرة المصرية اليوم تكمن في تحول المنزل إلى “فندق” للمبيت، وغياب لغة الحوار الحميمية التي كانت مقدسة قديماً، حيث استبدلنا “دفء اللمة” بـ “برودة الشات”.

ونحن لكي نحب أنفسنا -بالمعنى الصحي لبناء الذات المجافي للأنانية-ولكي نحب وطننا، نحتاج إلى ثورة تصحيح لمفاهيمنا، قوامها استعادة القداسة، فنتعامل مع الحب (للشريك، للابن، للأرض) كمسؤولية مقدسة مترفعين به عن مقامرة الاحتمالات.

كما يتطلب ذلك حب الأرض بالعمل لا بالهتاف، فالنيل -كما علمنا حمدان-يحتاج لعمل جماعي، وحب الوطن اليوم يتجسد في إتقان العمل، واحترام المجال العام، والحفاظ على الموارد، مقدماً نموذجاً للحب “العملي” الناجز، المجاوز لنظيره “اللفظي“.

خلاصة هذه الرحلة الفكرية تضعنا أمام ضرورة ماسة لإعادة الاعتبار لعبارة “وكله بالحب”، لنخلع عنها دلالة الفوضى والمجاملة، ونكسوها ثوبها الحقيقي: الحب كطاقة توحيد، وكقوة بناء.

نحتاج أن نحب ذواتنا فنهذبها ونعلمها، ونحب أسرنا فنمنحها الوقت والحضور، ونحب وطننا فنكون امتداداً واعياً لتاريخه العريق.

في عيد الحب، دعونا نتخطى عتبة اللون الأحمر، مستحضرين “حتحور” في قلوبنا، ومتذكرين أننا أبناء حضارة شيدت بالحب، واستمرت بالحب، ولن تنجو من طوفان العولمة إلا… بالحب الواعي.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك