عمان- سعادة يشوبها القلق شعرتُ بها بعض الأمهات ممن يواجهن صعوبة في التعامل مع أبنائهن، تحديدا في اختيار أسلوب التربية السليم داخل البيت.
ويأتي ذلك بعد أن صدرت دراسة جديدة تحولت في وقت قصير إلى ترند، توصي بـ" أسلوب FAFO"، ويعتمد على العقاب المنضبط للأطفال، بعيدا عن أسلوب التربية الحديثة المبالغ فيه.
اضافة اعلان.
آلاف التعليقات من أولياء أمور، وحتى أطفال يافعين، انهالت على هذا الخبر المتضمن تلك الدراسة والتوصية، والتي تدعو الأهل ممن يعانون من التعامل مع أبنائهم، والصعوبة في تربيتهم، إلى الاستعانة ببعض توصيات" أسلوب FAFO"، من دون أن يؤدي ذلك إلى تعريض الأطفال للإيذاء الجسدي أو النفسي على حد سواء.
ويوجه مطلقو ذلك النداء لاتباع هذا الأسلوب التربوي للأهل، بأن عليهم القول: " وداعا للتربية اللطيفة المنهكة وأهلا بعودة العقاب المنضبط"، الذي يرى فيه بعضهم من مؤيدي التربية الحديثة" ذات الحرية الكبيرة للأطفال"، أن ذلك قد يؤشر إلى" نهاية عصر التربية الإيجابية وبداية التربية الصارمة"، على حد تعبيرهم.
ومن بين مؤيد ومعارض لذلك، تبادلت التعليقات، وممن أعاد نشر تلك التوصية على حسابه، محذرا من طبيعة هذا الترند، خوفا من أن يقوم بعض الأهل بالمبالغة في التعامل مع أطفالهم بطريقة" سيئة"، بحجة أن هذا ما يدعو إليه المختصون.
في حين أن تعليقات أخرى دعت إلى ضرورة أن يتغير أسلوب التربية والعودة إلى طريقة الأهل في السابق، التي أخرجت أجيالا فيها انضباط أكثر واحترام للآخرين والوالدين بشكل أفضل، مع الإشارة إلى الكثير من الاختلافات بين الأجيال، التي يمكن لمسها في كل بيت، بحجة" التربية الحديثة".
الخبير والمستشار التربوي الدكتور عايش النوايسة يقول إن مفاهيم التربية الأسرية تغيرت بفعل التحولات الحياتية الكبيرة التي طغت على الحياة الأسرية والاجتماعية، والناجمة عن الطفرة التكنولوجية الهائلة وانتشار المعارف عبر صور وفيديوهات من مختلف المجتمعات والبيئات حول العالم، وقد حوّل هذا التطور التربية الأسرية إلى نمط سُمّي" بالتربية الناعمة"، ويسميها بعضهم" الإيجابية".
الحزم بدلا من المبالغة في الدلال.
وهي تعني أن التربية بنيت على مبدأ دعوة الأسر للتخلي عن النمط التقليدي والعقوبات القديمة، واللجوء بدلا من ذلك إلى الحوار والتفاهم، وقد كان هذا التوجه مدفوعا بحملات ومنظمات تُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي سهلت الوصول للجميع.
في المقابل، يقول النوايسة: هناك آخرون يسعون إلى نشر توجهات عصرية في التربية الأسرية على شكل" ترند" يهدف إلى إحياء الدور التربوي القائم على الدمج بين الماضي والحاضر، ومن أبرزها مصطلح FAFO ومعناه" تصرف بحرية واكشف النتيجة" أو" ارتكب الخطأ وواجه العواقب".
والحقيقة أن هذا المصطلح، ومن خلال ردود الأفعال المحيطة به، لم يكن مجرد كلمات ترفيهية، بل تحول إلى أيديولوجيا يتبناها الكثير من الآباء الشباب الذين يشعرون بالندم إزاء" التفريط" في التربية، معتبرين أن الجيل الحالي يحتاج إلى لمسة من" الحزم القديم" بعيدا عن المبالغة في الدلال.
من جهتها، توضح الاختصاصية في الإرشاد النفسي والتربوي الأسري الدكتورة هنادي الجبالي أن النقاش الدائر مؤخرا حول ما يعرف بأسلوب FAFO، والذي يقوم على فكرة أن الطفل يتعلم من نتائج أفعاله، وأن عليه أن يختبر أثر سلوكه بشكل مباشر، أعاد إلى الواجهة السؤال التقليدي: " هل كانت التربية القديمة الصارمة أفضل؟ وهل يحتاج الجيل الجديد إلى مزيد من الحزم المرتبط بالعقاب؟ ".
لذلك، توضح الجبالي ذلك من منظور نفسي تربوي، وتقول: لا يمكن الإجابة بنعم أو لا؛ لأن التربية ليست مجرد أدوات، بل منظومة قيم، وعلاقة، وهوية أسرية.
وفي كثير من البيوت العربية قديما، كان الحزم واضحا ومباشرا وكان الاحترام يُربط بالطاعة، وأحيانا بالعقاب.
وهذا النمط نجح في خلق انضباط ظاهري، لكنه في بعض الحالات زرع خوفا من الخطأ، وربط قيمة الطفل برضا الكبار عنه، بحسب الجبالي، إذ إن الطفل قد يتعلم كيف يتجنب العقوبة، لكنه لا يتعلم دائما كيف يفهم سلوكه أو ينظمه ذاتيا.
في المقابل، تأثرت التربية الحديثة بالنظريات النفسية التي شددت على الاحتواء والحوار وفهم المشاعر، وهذا تطور صحي ومهم.
وعلى سبيل المثال، علقت رزان لطفي تقول: إن أسلوب التربية يجب أن نعمل فيه على إيجاد شخص سوي يحترم الكبير ويتحمل المسؤولية ويعرف أن لكل موقف وقتا محددا، حيث أشارت إلى أنها تعاني مع أبنائها الصغار في طريقة تعاملهم معها، لذلك فهي تدمج ما بين الأسلوب الصارم والتربية التي تعتمد على حرية الطفل إلى حد معين ومدروس من الأهل.
أما زهراء محمود، فعلقت أيضا بقولها إن التعامل مع الأطفال لا يتطلب كل ذلك، بل يعتمد على أن يتقي الأبوان الله في أبنائهم، وأن يكونوا قادرين على فهم الحياة ومتطلبات الأبناء، وأن تكون لديهم مسؤولية كافية لتربيتهم، ووجود القدوة الحسنة أيضا هو الأولى في أسلوب التربية.
" التربية التقليدية أثبتت أنها ناجحة جدا، والدليل أننا ما زلنا محافظين على قيمنا وأخلاقنا التي تربينا عليها بشدة وحزم"، هذا ما تقوله نهاد صالح، وتؤكد أن حزم الوالدين لم يكن يوما سببا في تعطيل تطور شخصيتنا، بل كان داعما ومثبتا على القيم التي حرصوا على تعليمها لنا، بحب أيضا.
فراس موسى أيضا يرى أن الطفل بطبيعته يحتاج إلى التجربة لكي يتعلم، وحرمانه من ذلك يعني أننا نضع أمامه عوائق لتطوير ذاته وإدراكه ووعيه، لذا فالأولى ألا نمنع أطفالنا من التجربة، بل نمنع عنه الأذى وندعمه نفسيا.
وفي واقع الأمر، يعتقد النوايسة أنه عند الموازنة بين النمطين المختلفين" التقليدي القديم والحديث"، نجد أن لكل منهما إيجابيات وسلبيات؛ فالتربية القديمة، والتي دمجت بين الخوف والاحترام، خرجت في الغالب أشخاصا أصحاء نفسيا، لكنها في الوقت نفسه أنتجت أشخاصا يعانون من الكبت والتلعثم في التعبير عن مشاعرهم.
وبالمقابل، أفرزت التربية الحديثة المفرطة في اللين جيلا ذكيا وواعيا بمشاعره، لكنه في كثير من الأحيان يفتقر إلى نموذج القدوة، ويفتقر إلى المرونة، ويتوقع مكافأة على كل واجب يقوم به.
لذا يؤكد النوايسة أن تيار FAFO جاء كرد فعل وسطي، يرفض التخويف الجسدي القديم، ويرفض في الوقت ذاته" التنازل عن القواعد" في التربية الحديثة.
كما يدعو هذا النمط من التعامل مع الأطفال إلى فكرة بسيطة وهي" العواقب الطبيعية"، فإذا أضاع الطفل أدواته لا يشتريها له أبوه فورا، وإذا أساء السلوك يواجه عقابا اجتماعيا أو حرمانا من الامتيازات، بدلا من الاكتفاء بـ" حوار هادئ" قد لا يجدي نفعا.
وتحرص معظم دول العالم على أن يكون لديها قوانين رسمية ومدوَّنة لحماية الطفل من أي اعتداء أو أذى بكافة الأشكال، ومنها قانون حقوق الطفل في الأردن، ومن ضمنه" أن للطفل الحق في التمتع بجميع الحقوق المقررة له، بما لا يتعارض مع النظام العام والقيم الدينية والاجتماعية وأي تشريعات أخرى ذات علاقة، وبما يكفل تمكين الأسرة من المحافظة على كيانها كأساس لمجتمع قوامه الدين والأخلاق وحب الوطن".
لكن بعض الممارسات المعاصرة وقعت في الإفراط في الحماية، وتجنب أي إحباط للطفل، مما أضعف لديه مهارة تحمُّل المسؤولية والتعامل مع النتائج، إذ تستدل الجبالي بعدد من الدراسات النفسية، ومنها أبحاث عالمة النفس التنموي Diana Baumrind، التي تشير بوضوح إلى أن" النمط الأكثر توازنا هو التربية الحازمة الداعمة".
وهذا النمط يجمع بين عنصرين أساسيين، هما" وضوح الحدود، ودفء العلاقة"، أي أن الطفل يعرف القاعدة ويعرف نتيجتها، لكنه في الوقت ذاته يشعر بالأمان والقبول، وهذا في الحقيقة ليس بعيدا عن جوهر ثقافتنا العربية الإسلامية، وفق الجبالي.
وفي تراثنا التربوي نجد مبدأ عظيما يقوم على" العدل مع الرحمة، والحزم مع الرفق".
ولكن، قد يرى بعضهم أن معنى التربية التقليدية هو التشدد ومحاصرة الطفل بالقوانين والتعليمات الأبوية، ولكن التربية التقليدية لا تعني ذلك، بل تعني ما يتواءم مع قيم المجتمع وبما يضمن تعديل سلوك الطفل بعدة طرق، من بينها" العقوبة الآمنة والفعالة في ذات الوقت".
وتؤكد الجبالي أن التربية في ديننا الحنيف لم تكن قائمة على الإهانة أو التخويف، بل على القدوة والتدرج وربط السلوك بالمسؤولية دون كسر الكرامة.
فمبدأ" لا ضرر ولا ضرار" يعد قاعدة أخلاقية يمكن إسقاطها مباشرة على التربية، ولا يجوز أن يتحول التأديب إلى أذى نفسي أو جسدي، ولا أن يكون بدافع الغضب أو التشفي.
من هنا يمكن فهم FAFO بطريقة متزنة؛ إذا كان المقصود به أن يتحمل الطفل نتيجة منطقية وآمنة لسلوكه، فهذا يتوافق مع مفهوم تحمل المسؤولية الذي نؤمن به تربويا، أما إذا تحول إلى قسوة، أو إلى ترك الطفل يتأذى لإثبات درس، أو إلى استخدام النتائج كأداة إذلال، فهذا يخرج عن الإطار الصحي نفسيا وقيميا، فالطفل يحتاج إلى حدود واضحة، لكنه يحتاج أيضا إلى رسالة ثابتة مفادها" حبنا لك لا يتغير بخطأ"، كما تصف الجبالي.
وفي النهاية، يشير النوايسة إلى أن الجيل الحالي وُلد في عصر التكنولوجيا، وهو عصر مختلف تماما عن عصر الأجداد، حيث أصبح كل شيء متاحا أمامهم من معارف وخبرات ومعلومات، وباتوا يرفضون السلطة المطلقة التي لا تقدم تبريرا.
لذا فإن الصرامة" العمياء" لن تنفع معهم، بل ستدفعهم إلى التمرد والانفصال النفسي، وفق النوايسة.
وعليه، فإن التربية بأسلوب FAFO قد تنفع هذا الجيل إذا فُهمت بشكل صحيح، فالطفل اليوم بحاجة إلى أن يدرك أن الكون لا يدور حوله، وأن لكل فعل رد فعل.
كما أن العقاب المنضبط يزرع المسؤولية، وهو ما ينقص الكثير من أطفال اليوم.
وإن الحدود النفسية للطفل تتشكل بالرفض أحيانا؛ فالطفل الذي لا يقال له" لا" أبدا يشعر بالضياع وعدم الأمان، لأنه يدرك في قرارة نفسه أن والديه غير قادرين على ضبطه.
ومن الناحية النفسية، تنوه الجبالي بأن الطفل الذي ينشأ في بيئة تجمع بين الثبات العادل والاحتواء العاطفي يطور رقابة ذاتية داخلية، وليس فقط طاعة خارجية، ويتعلم أن الخطأ فرصة للنمو لا تهديدا لقيمته.
والتربية المتوازنة ينبغي أن تكون" حزما بلا قسوة، نتائج بلا إذلال، توجيها بلا تحقير، وحبا غير مشروط".
" الجيل الجديد لا يحتاج إلى مزيد من الخوف، بل إلى مزيد من الاتساق والقدوة، وإلى والدين ثابتين في قواعدهم، هادئين في تطبيقها، واضحين في توقعاتهم، ودافئين في علاقتهم"، فالتربية ليست صراعا بين قديم وحديث، بل سعيا نحو الحكمة، كما تؤكد الجبالي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك